فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 301

والحقيقة، أنّ من ينعم النظر في مفهوم"الغزاليّ"الجديد للتصوّف، يصل إلى أنّه -وإن أسقط القول بالاتّحاد والحلول وهاجم التحلّل من التكاليف الشرعيّة ونفى ما يتعارض بشكل واضح مع العقيدة الإسلاميّة- قد كرّس الفلسفة الأساسيّة الّتي يقوم عليها التصوّف. وهي فلسفة لا شأن لها بالإسلام، ولا تمتّ إليه بصلة. وأعني بها فكرة الصراع المزعوم بين الجسد والروح، وأنّ سموّ الروح لا يتأتّى إلاّ بإضعاف الجسد وقهره، وعبر رياضة النفس. كما أنّه كرّس فكرة"الكشف والإلهام"الّتي يقول بها جميع المتصوّفة، من الإسلاميّين وغيرهم.

ففي الكشف والإلهام نراه يقول: «واعلم أنّه ما من أحد إلاّ ويدخل في قلبه الخاطر المستقيم وبيان الحقّ على سبيل الإلهام، وذلك لا يدخل من طريق الحواسّ، بل يدخل في القلب لا يعرف من أين جاء، لأنّ القلب من عالم الملكوت، والحواسّ مخلوقة لهذا العالم -عالم الملك- فلذلك يكون حجابه عن مطالعة ذلك العالم إذا لم يكن فارغًا من شغل الحواسّ» ، ويتابع قائلًا: «ولا تظنّنّ أنّ هذه الطاقة تنفتح بالنوم والموت فقط، بل تنفتح باليقظة لمن أخلص الجهاد والرياضة وتخلّص من يد الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة. فإذا جلس في مكان خال وعطّل طريق الحواسّ وفتح عين الباطن وسمعه وجعل القلب في مناسبة عالم الملكوت وقال دائمًا"الله الله الله"بقلبه دون لسانه، إلى أن يصير لا خبر معه من نفسه ومن العالم، ويبقى لا يرى شيئًا إلاّ الله سبحانه وتعالى، انفتحت تلك الطاقة وأبصر في اليقظة الّذي يبصره في النوم، فتظهر له أرواح الملائكة والأنبياء والصور الحسنة الجميلة الجليلة، وانكشفت له ملكوت السماوات والأرض، ورأى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه» (1) . ثمّ يضيف بعد ذلك: «وهو طريق الصوفيّة في هذا الزمان» (2) .

(1) - كيمياء السعادة (ملحق بكتاب المنقذ من الضلال) - ص 88

(2) - المصدر السابق - ص 89

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت