فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 301

إلاّ أنّ الجدير ذكره، هو أنّ هؤلاء الفلاسفة لم يبلغوا أن يكونوا جماعات أو مذاهب، ولم يتبعهم جمهور من المسلمين، أي أنّهم لم يكونوا يعبّرون عن الرأي العامّ الإسلاميّ، ولا حتّى عن قسم منه.لذلك ليس من الصواب أخذ أبحاثهم بعين الاعتبار حين دراسة الثقافة السائدة في الأمّة الإسلاميّة آنذاك. فليس كلّ من كتب كتابًا أو صنّف مصنّفًا يشكّل تيّارًا فكريًّا في المجتمع، وهو لا يكتسب أيّة أهميّة ما لم تنتشر أفكاره لدى جمهور من الناس. بل إنّنا نرى هؤلاء الفلاسفة منبوذين من قِبَل الرأي العامّ الّذي كان ينظر بعين الريبة، بل والسخط، إلى أبحاثهم وانحرافاتهم الفكريّة، ولا سيّما أنّ الرأي العامّ كان يستلهم معظم مواقفه من آراء المجتهدين والفقهاء الّذين وقفوا بالمرصاد أمام تلك الانحرافات الفكريّة. ويمكننا القول إنّ هؤلاء الفلاسفة لم يحظوا طوال التاريخ بالأهمّيّة الّتي حظوا بها في التاريخ الحديث والمعاصر. وربّما ذاع صيتهم في البلاد الغربيّة قبل الإسلاميّة في التاريخ المعاصر، نتيجة حركة الاستشراق الّتي توجّهت دائمًا نحو الإعلاء من شأن الفرق الضالّة والمبتدعة والباطنيّة، وكذلك الإعلاء من شأن الفلاسفة أمثال ابن سينا والفارابيّ والكنديّ وابن حيّان وابن رشد. وحاول هؤلاء المستشرقون دائمًا إظهار هؤلاء الفلاسفة في صورة المفكِّرين المتنوّرين والعباقرة المبدعين الّذين انتفضوا على جمود"العصور الوسطى"وتخلّفها وتزمّتها، والّذين كانوا ضحيّة الفقهاء والرجعيّين من رجالات الدولة وحكّامها، تمامًا كما كانوا يصوّرون مفكّري عصر النهضة الأوربيّة أو الفلاسفة المتنوّرين الّذين انتفضوا في وجه الاستبداد الدينيّ والظلم والتعسّف الّذي مارسه رجال الدين والكنيسة المتحكّمون بالمجتمع وثقافته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت