ولمّا لم يكن للدول الأوربيّة من رسالة حضاريّة تحملها إلى العالم خلال العصور الوسطى، وتواجه بها المسلمين على الأخصّ، كان سلاحها الوحيد هو الحروب الصليبيّة. لذلك لم تكن تشكّل آنذاك ذلك الخطر العظيم، ولاسيّما على أمّة تقوم على حضارة عريقة راقية كالأمّة الإسلاميّة بل إنّ تلك الحروب ذاتها لم تكن لتلاقي النجاح لولا الظروف الّتي لاقتها في العالم الإسلاميّ من تفكّك وتشرذم ونزاع داخليّ وتسابق على الولايات والإمارات. لذلك ما إن عاد المسلمون إلى توحيد صفوفهم حتّى أُرغم الصليبيّون على أن يجرّوا أذيال الخيبة إلى بلادهم. إلاّ أنّ الكارثة الكبرى وقعت حين بدأ المجتمع الغربيّ يتشكّل على أسس جديدة، جعلت منه كيانًا حضاريًّا جديدًا، يملك من الأفكار والمفاهيم والأنظمة ما يستطيع أن يواجه به العالم بأسره، ولاسيّما الأمّة الإسلاميّة الّتي كانت المارد المخيف لأوربّا على مرّ السنين.
مع بداية القرن التاسع عشر، ومع اندلاع ثورات التحرّر في الغرب، والّتي كانت فاتحتها الثورة الفرنسيّة عام 1789م، تبلورت معالم الحضارة الغربيّة المعاصرة وتكامل بنيانها الفكريّ، وقام المجتمع الغربيّ على أساس أفكار وأنظمة جديدة تتمثّل في الرأسماليّة اللبراليّة بعد أن كانت تسوده الأنظمة الإقطاعيّة. وبما أنّ تلك الحضارة تقوم على أساس عقيدة عقليّة سياسيّة تنبثق منها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة، فقد أحدثت في الغرب تلك النهضة الّتي كانت كافية لتقف في وجه أمّة تبلّد تفكيرها وتحجّرت أفكارها وأساءت تطبيق نظامها وعاشت على"هامش"حضارتها العظيمة، أعني الأمّة الإسلاميّة.