وكذلك إذا نظرنا إلى عقائدهم وأفكارهم، سنجدها بسيطة تافهة . فهي تتلخّص في عبادة الأوثان وتعظيم العشيرة والتفاخر بالأموال والبنين مع التمسّك ببعض القيم والشيم كالشهامة والشجاعة والمروءة والنجدة والكرم وما شابه ذلك. وتبعًا لبساطة تلك العقائد والأفكار، كانت عاداتهم وتقاليدهم تتّسم بالبساطة وبعيدة كلّ البعد عن التعقيد. وبالتالي كانت أذهانهم صافيّة بعيدة عن التشويش والتعقيد، ولعلّ ذلك كلّه يفسِّر تميّزهم بذاكرة قويّة تجلّت أكثر ما تجلّت في حفظ الأنساب والأسماء والأشعار. وتوفّرت لديهم كمّيّة كبيرة من التعبيرات عبّروا بها عن قليل من المعاني، فكانوا أروع الناس بلاغةً وأدبًا. وللجاحظ تعبير رائع عن هذه الصفات إذ يقول: « وكلّ شيء للعرب فإنّما هو بديهة وارتجال وكأنّه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنمّا هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين يمتح عن رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المناقلة أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلاّ أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الّذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالًا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا، ثمّ لا يقيّده على نفسه، ولا يدرِّسه أحدًا من ولده. وكانوا أمّييّن لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلّفون. وكان الكلام الجيّد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكلّ واحدٍ في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفّظ، ويحتاجوا إلى تدارس. وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلاّ ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتّصل بعقولهم من غير تكلّف ولا قصد، ولا تحفّظ ولا طلب » (1) .
(1) - أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ - البيان والتبيين - تحقيق عبد السلام هارون - دار الجيل، بيروت - دون تاريخ - ج3 -ص28