أمّا أوامر الإسلام، فهي تقضي بأن يدعو المسلمون جميع الناس إلى دينهم حيثما استطاعوا. وما الجهاد إلاّ مقدّمة لهذه الدعوة، حيث تتمثّل وظيفته في تحطيم الحواجز المادّيّة الّتي تقف عائقًا أمام الدعوة الإسلاميّة. وبعد ذلك يقضي الإسلام بترك الخيار للناس، إن شاءوا اعتنقوه وإن شاءوا ظلّوا على دينهم، واكتفى بإخضاعهم لأحكامه في شؤون المعاملات والعقوبات، ليحصل الانسجام في أعمال الناس بتوحيد النظم الّتي تعالج مشاكلهم وتنظّم أعمالهم، وليشعر غير المسلمين بأنّهم كالمسلمين يشاركون المجتمع في تطبيق النظام. وفي تعبير"لوبون": «إنّ القوّة لم تكن عاملًا في انتشار القرآن ما ترك العربُ المغلوبين أحرارًا في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانيّة الإسلامَ واتّخذوا العربيّة لغة لهم، فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة الّتي لم يعرفوها من قبل» ثمّ يضيف: «ولم ينتشر القرآن، إذن، بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب الّتي قهرت العرب مؤخّرًا كالترك والمغول» (1) .
كما تقضي أوامر الإسلام بأن يُنظر إلى المحكومين نظرة إنسانيّة لا نظرة عنصريّة أو طائفيّة أو مذهبيّة، ولذلك تطبّق الأحكام على الجميع بالسواء لا فرق بين المسلم وغير المسلم، قال تعالى: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَنّ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى إِنَّ اللهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُون } (2) .
(1) - حضارة العرب - ص 127-128
(2) 2- سورة المائدة - الآية 152