وقد سمح الإسلام بالبكاء المجرد على الميت ورخَّص فيه؛ لأنه من العاطفة الإنسانية الفطرية التي لا يمكن دفعها في مثل هذا الموقف. وقد بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عثمان بن مظعون، وبكى أيضًا على ابنه إبراهيم حين تُوفي وقال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربَّنا، وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ) .
وفي المقابل، حرّم الإسلام العويل والنوْح ورفع الأصوات في البكاء، كما حرّم لطم الخدود وشقَّ الثياب، والتلفّظ بما فيه السخط على القدر، وإثارة الجزع والفزع في النفوس، كما كان يفعل أهل الجاهلية. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس منّا من ضرب الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوة الجاهلية ) . بل قد وردت أحاديث تفيد بأن الميت يُعذَّب إنْ فعل أهله هذه الأمور، وبخاصة إن كان قد وصّى بها قبل موته، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الميت يُعذَّب في قبره بما نيح عليه ) .
هذا، ولا بأس، من الإعلان عن موت أي إنسان، وعن موعد إعداد جسده وموعد دفنه؛ حتى يتسنّى لجيرانه وأصدقائه القيام بأداء حقوقه، والصلاة عليه، وتشييع جنازته والدعاء له. وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (حق المسلم على المسلم خمس) ، وذكر منها: (اتّباع الجنائز ) ، كما صح عنه أنه أخبر الصحابة في المدينة بمقتل أمراء جيشه الثلاثة ـ زيد وجعفر وابن رواحة في غزوة مؤتة، كما أخبر أيضًا الصحابة في المدينة بموت النجاشي ـ في الحبشة ـ في اليوم الذي مات فيه؛ وذلك ليصلِّي عليه المسلمون. وقال ³: عندما أخبره بعضهم بموت المرأة السوداء التي كانت تنظف المسجد: (ألا أخبرتموني ؟! )
ولا شك أن هذا الإعلان المشروع يختلف عن النعي المنهي عنه، الذي يُقصد به تجميع الناس للمفاخرة بسيرة الميت والنواح عليه والصراخ لموته، وإثارة الحزن والفزع في النفوس كما كان يفعل أهل الجاهلية، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إياكم والنعي ، فإن النعي عمل الجاهلية ) .