طبيعة الذهن. في القرن التاسع عشر، بدأ علماء النفس في اختبار بعض هذه الأفكار عن طبيعة الذهن. فكرس أحدهم نفسه مثلًا لمهمة حفظ المقاطع غير ذات المعنى عبر فترة من الزمن، ليرى كم سيستغرق عند كل محاولة. واستخلص من ذلك أن الشخص يمكن أن يستمر في الحفظ دون أن يحسِّن من ذاكرته بأي شكل من الأشكال. كما بدأ آخرون يسألون لماذا تؤدي المخدرات أو الأمراض أو الخبطات على الرأس إلى كل ذلك الاضطراب في ذهن الإنسان، مع أن الذهن والمادة شيئان منفصلان؟! وتساءلوا أيضًا لماذا ينتاب الذهن شيء من العجز ببلوغ أرذل العُمر؟.
وذهب بعض هؤلاء العلماء إلى أنه قد يمكن تفسير الأفعال الجسمية، دون استخدام أفكار مثل الذهن أو الوعي على الإطلاق. وفي رأيهم أن الحركة الجسمانية الفعلية للمخ والجهاز العصبي المركزي يمكن أن تفسر كل الأحداث التي نعتبرها ذهنية إذا ما عرفنا عنها الشيء الكافي. وطبقًا لهذا الرأي، فإن الشخص الذي تحدث عن الذهن أو الذهن الواعي كان مجرد حيوان تسيِّره تجاربه وعاداته، إنسان كوَّن بعض التداعيات في جهازه العصبي لإصدار أصوات معينة في مناسبات معينة.
لقيت هذه النظرية، التي تعرف أحيانًا باسم السلوكية المفرطة، استحسانًا لدى علماء النفس، ولكن سرعان ما تبينت محدوديتها، وجرى عليها شيء من التطوير.
وظهر رأي آخر يدَّعي أن الذهن، شأنه شأن المادة، هو مجرد شيء يحدث وأنه ليس شيئًا مستقلًا يمكن التعرف عليه. الكل يعرف مثلًا أن الماء رطب، رغم أن ذرات الهيدروجين والأكسجين وشحنات الطاقة التي تؤلفهما ليست رطبة. فيمكننا القول إن الرطوبة خاصية تتولد حين تتجمع شحنات الطاقة المنتظمة في شكل ذرات أكسجين وهيدروجين لتنتج الماء. وإذا حللنا الماء إلى أجزاء، فإن رطوبته تزول مثلما يزول الماء ذاته.