قبر ابن مارية الكريم المفضِلِ
وكما قامت إمارة الغساسنة في الشام، فقد قامت إمارة المناذرة في العراق. وكما كان الغساسنة عربًا ذوي أصولٍ يمنية، فكذلك كان المناذرة. ومثلما قصد شعراءُ الجزيرة أمراءَ الغساسنة، فكذلك قصدوا أمراءَ المناذرة، الذين كان من أشهرهم المنذر بن ماء السماء حوالي (514 - 554م) ، وعمرو بن هند (554 - 569م) الذي ازدهرت الحركة الأدبية في أيّامه، وقد وفد عليه في الحيرة، حاضرة المناذرة، عمرو بن قميئة والمسيَّب بن عَلَس والحارث بن حِلِّزة وعمرو بن كلثوم.كما وفد النابغةُ الذبياني على أبي قابوس النعمان بن المنذر الرابع (580 - 602م) ، ووفد عليه أيضًا أوس بن حجر والمنخل اليشكري ولبيد والمثقِّب العبدي وحجْر بن خالد.
ولا شك أن طبيعة المنافسة السياسية بين المناذرة التابعين لدولة فارس والغساسنة الموالين للبيزنطيين قد انعكست على الحياة الأدبية على نحوٍ ليس بالقليل.
ازدهر الشعر العربي، إبان الجاهلية، ازدهارًا عظيمًا تمثل في هذا العدد الكبير من الشعراء الذين تزخر المصادر بأسمائهم وأشعارهم، إذ نظموا في جاهليتهم الأخيرة قبل الإسلام كثيرًا من الشِّعر. ومع هذا فقد ضاع معظم هذا الشعر، على حد قول أبي عمرو بن العلاء:"ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقلُّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعر كثير". وقد اشتهرت في الجاهلية بيوت كاملة بقول الشعر، فالنعمان بن بشير، مثلًا، كان أبوه وعمه شاعرين، وكذلك جده، ثم أولاده من بعده. وكعب بن مالك الصحابي الشاعر كان أبوه وعمه شاعرين، ثم أبناؤه وأحفاده، وكذلك كان أمرُ بيت أبي سُلمى، ومنه زهير وولداه كعب وبُجير، وأخوال كعب شعراء، ومنهم بشامةُ ابن الغدير. ثم هناك حسان بن ثابت الصحابي الشاعر، وقد تسلسل الشعر في بيته لبضعة أجيال.