أما الأغراض التي بقيت مع شيء من التطوير فمنها، على سبيل المثال، المديح، وهو غرض عريق شائع في الشعر العربي، غير أن الشعراء المحدثين أثروه بما أدخلوا عليه من عمق التحليل للفضائل النفسية والخلقية، نتيجة لما اكتسبوه من الثقافات، ومثل ذلك شعر الهجاء، فقد تناولوه أيضًا بشيءٍ من البسط والتحليل للأخلاق، ولكن في جوانبها السلبية. على أن شعراء هذا العصر بمدائحهم وأهاجيهم قد تغلغلوا في النفس البشرية وكشفوا عن كوامنها، كما أنهم بتناولهم للفضائل والرذائل رسموا المثُل التي ينبغي الإقبال عليها.
ولعل شعر الرثاء، وإن كان غرضًا قديمًا، قد أصابه حظ غير قليل من التطور، فلم يعد رثاءً للناس فحسب، بل صار رثاءً للمدن والأماكن، كرثاء بغداد على أثر ضربها بالمنجنيق في عصر الأمين، حيث عمّها الخراب، وعاث في جوانبها المفسدون.
كما طرأ تغيُّرٌ على الرِّثاء ليصبح رثاءً للحيوان والطيور المستأنسة، وقد استكثر أحمد بن يوسف الكاتب من هذا اللون الطريف، الذي يدل على اتساع آفاق الإبداع الشعري نتيجة لاتساع آماد الثقافة.
ويمكن القول إجمالًا أنه ما من غرض شعري قديم إلا دخله التطوير والتجديد على أيدي الشعراء المحدثين، على تباين في ذلك.
اللغة. امتدت حركة التجديد في الشعر إلى اللغة وذلك من جملة وجوه توجز فيما يلي:
أولًا: سهولة الشعر، ولا يعني هذا أن الشعراء المولعين باللفظ الغريب قد انقرضوا، فقد بقي منهم أمثال أبي البيداء الرياحي وابن الدُّمينة وأبي ضمضم الكلابي، وقدكانوا من أهل البادية، كما كانوا رواة للشعر القديم وللغة.