نهضت الحركة الأدبية في هذا العصر، إذ كان حكامه بحكم طبيعتهم العربية يعنون بالشعر والنثر وفصيح القول؛ فجعلوا بلاطهم عامرًا بأهل العلم والأدب. كما كان عبد الرحمن الداخل نفسه شاعرًا وأديبًا. ومن أشهر مقطوعاته الشعرية وصفه للنخلة التي أهاجت شجنه وذكرته بوطنه حين يقول:
تَبَدَّتْ لنا وسط الرَّصافة نخلةٌ
تناءت بأرض الغرب عن وطن النخل
فقلت شبيهي في التغرُّبِ والنَّوى
وطول التنائي عن بَنِيَّ وعن أهلي
نَشَأْتِ بأرض أنت فيها غريبةٌ
فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
وكذلك كان الحكم بن هشام بليغًا فصيحًا شاعرًا مجيدًا، ومن شعره يفخر بإقرار الأمن في البلاد:
رأبت صدوع الأرض بالسيف راقعًا
وقِدمًا لأمت الشَّعب مُذْ كنتُ يافعًا
فسائل ثغوري هل بها الآن ثغرةٌ
أبادرها مُسْتَنْضِيَ السيف دارعًا
تُنَبِّيك أني لم أكن عن قِرَاعِهم
بِوَانٍ وأني كنت بالسيف قارعًا
ومن قوله يتغزل:
ظل من فرطِ حبه مملوكا
ولقد كان قبل ذاك مليكا
إن بكى أو شكا زِيْدَ ظُلْمًا
وبعادًا يدني حِمامًا وشيكا
تركته جآذرُ القصر صَبا
مستهامًا على الصعيد تريكا
ولا نستثني من زمرة الأمراء الشعراء عبد الرحمن الأوسط في مثل قوله:
إذا ما بدت ليَ شمس النهار
طالعة ذكرتني طروبا
أنا ابن الميامين من غالب
أشُبُّ حروبًا وأطفي حروبا
وكذلك آخر أمراء قرطبة عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن وكان شاعرًا مطبوعًا ومن رقيق غزله قوله:
يامهجة المشتاق ما أَوْجَعَك
ويا أسير الحب ما أخْضَعَكْ
ويارسول العين من لحظها
بالرد والتبليغ ما أَسْرَعَكْ
ومن شعراء الإمارة من غير الأمراء عاصم بن زيد العبادي، الذي جعل من محنة العمى موضوعًا لشعره، ومن أجمل تصويره لمحنته قوله:
ورأت أعمى ضريرًا إنما
مَشْيُهُ في الأرض لمسٌ بالعصا
فبكت وجدًا وقالت قولة
وهي حَرَّى بلغت منّي المدى
ففؤادي قرِح من قولها
مامن الأدواء داء كالعمى