ولعل من هذا ماذهب إليه الباحثون المعاصرون في تاريخ النحو والنحاة، فأثبتوا مصطلح المدرسة في نحو البصريين، ومثله مدرسة الكوفة، ومدرسة بغداد أو غير ذلك. غير أنك حين تنظر في التراث النحوي لاتجد جمهرة النحاة ـ بصريين وكوفيين وغيرهم ـ قد اختلفوا في أصول هذا العلم، ولم ينطلق هؤلاء من أفكار متعارضة، ولكنهم قد اختلفوا في مسائل فرعية تتصل بالتعليل والتأويل، فكان لهؤلاء طريقة أو مذهب، ولأولئك طريقة أو مذهب آخر، وقد يكون الاختلاف بين بصري وبصري كما كان بين كوفي وكوفي آخر، ولا تعدم أن تجد بصريَّا قد وافق الكوفيين، وكذلك العكس.
أما كلمة مذهب فترد كثيرًا في الكلام عن الخلاف النحوي، فيقولون، مذهب البصريين كما قالوا: مذهب الكوفيين، ومذهب البغداديين، وقد تطلق كلمة مذهب على الطريقة التي سار عليها أحد النحاة فقالوا: مذهب سيبويه كذا، أو قولهم: مذهب الأخفش والفرَّاء كذا.
والمتصفح لكتب التراث التي تعرضت للبحث في تاريخ النحو والنحاة، يلحظ خلوّها من مصطلح المدرسة ولكنه يجد أخبارًا مجموعة لعلماء كل عصر على حدة، ففي الفهرست لابن النديم مثلًا نجد بابًا يفرد للكلام في النحو وأخبار النحويين واللغويين من البصريين، وبابًا آخر لأخبار النحويين واللغويين الكوفيين، ثم بابًا ثالثًا لأخبار جماعة من علماء النحو واللغويين ممن خلط المذهبين، وقد عرف هؤلاء الأخيرون عند الدارسين بالبغداديين. على أن أبا سعيد السيرافي أفرد كتابًا لأخبار النحويين البصريين بدءًا بأبي الأسود الدؤلي، وانتهاء بأبي بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج، وأبي بكر محمد بن علي المعروف بمبرمان اللذين أخذ السيرافي عنهما النحو، وعليهما قرأ كتاب سيبويه، ونص على أن في طبقة أستاذيه هذين ممن خلط علم البصريين بعلم الكوفيين، أبو بكر بن شقير، وأبو بكر بن الخياط.