ولكن على تلك القلوب أكنة فليست وإن أصغت تجيب المناديا
ذكرني ذلك الرجل بتخليطاته هذه؛ بأحمق كان معنا في السجن كان في باديء أمره على مخالفته لمنهجنا ودعوتنا، لا يخفي إعجابه بثباتنا وتميزنا واستعلائنا على أنصار الطاغوت، ولذلك لم يكن يطلق لسانه فينا ولا في دعوتنا، بل يعاملنا باحترام وتقدير.
ولكنه لما استطول المحنة، وأخذ يرفع للطواغيت الاسترحام تلو الاسترحام - هو وطائفة ممن معه ممن لم يفقهوا حقيقة دعوة الأنبياء - وجاءه قريب له يخبره أن أصحاب الشأن في الحكم يقولون؛"كيف نعفوا عنهم وهم يكفروننا؟ ميزوا أنفسكم، فهم لا يميزون بينكم وبين المكفرين"... انقلب الرجل مبغضا لنا شانئا لدعوتنا، وكتب مرارا - كصاحبنا - يطعن في أصحاب هذه الدعوة ويتهمهم بالجمود والانغلاق، بل والتطرف والتكفير، ظانا أن هذا سيرضي أعداء الله عنه؛ فيعفوا عنه ... فوالله ما خرج من السجن إلا بعد أن خرجنا أعزة بدعوتنا، برؤاء من الطواغيت ومن شركياتهم.
واليوم - وبعد تلكم الأحداث العظام التي هزت قوى الطاغوت في المعمورة كلها، وقسمت الناس إلى فسطاطين - لم يعد مجال للإمساك بالعصا من منتصفها، فإما مع الجهاد والمجاهدين، وإما خلف أذناب البقر.
والذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويقنعون بالعيش مع الدواب والأنعام والبقر، سيعذرون عند الله إن كان عذرهم الاستضعاف، وكفوا ألسنتهم عن استنقاص المجاهدين وعيبهم والطعن فيهم وفي منهاجهم.
أما أن يزوروا الحقائق، فيجعلوا في اتباع أذناب البقر؛ ملاذ الأمة وصلاح مجتمعاتها، وفي الجهاد وسبيله الجمود والانغلاق! ومن ثم يبثون دعواتهم المشبوهة للمراجعة! والتجديد! والانفتاح! والمصالحة! فسيندمون ساعة لن يجد الندم ...
وتنقضي الحرب محمودا عواقبها للصابرين وحظ الهارب الندم
إن الكلمات التي قالها أسعد بن زرارة رضي الله عنه - على حداثة سنه - لقومه لا مخذلا ومثبطا، بل منبها لهم ومحرضا، وهو ممسك بيد النبي صلى الله عليه وسلم يحجزهم عن بيعته، مخافة أن يكونوا لم يعوا بعد هذه الحقيقة، تنم عن فقه عميق لحقيقة هذا المنهاج: (يا أهل يثرب! إن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة، أو قتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم