قال الإمام رحمه الله: (فلما كان في اليوم الثالث دخلَ عليَّ أحد الرجلين فناظرني، فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علمُ الله مخلوق، فقلت: كفَرْتَ، فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق ابن إبراهيم: إن هذا رسولُ أمير المؤمنين! فقلت له: إن هذا قد كَفَرَ) [1] .
والسؤال الذي يطرح نفسه: فهل هذا حكم عام وتكفير عام، أم أنه حكم وكذلك تكفير لشخص معين محدد؟!
قال القاضي عياض في كتابه الشفا: (وقد أفتى ابن حبيب وأصبغ بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بابن أخي عَجَبَ [2] ، وكان خرج يومًا فأخذه المطر فقال:"بدأ الخراز [3] يرش جلوده!"، وكان بعض الفقهاء بها قد توقفوا عن سفك دمه، فقال ابن حبيب:"دمه في غيض، أيُشتم ربٌ عبدناه ثم لا ننتصر له؟! إنَّا إذًا لعبيد سوءٍ، ما نحن له بعابدين"وبكى، ورُفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرحمن بن الحكم الأموي وكانت"عَجب"عمة هذا المطلوب من حظاياه [4] ، وأُعلم باختلاف الفقهاء فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول ابن حبيب وصاحبه وأمر بقتله، فقتل وصُلب بحضرة الفقيهين، وعزل القاضي موسى بن زياد لتهمته بالمداهنة في هذه القضية، ووبَّخ بقية الفقهاء وسبهم) اهـ.
والسؤال الذي يطرح نفسه: فهل هذا حكم عام وتكفير عام، أم أنه حكم وكذلك تكفير لشخص معين محدد؟!
أخرج ابن أبي شيبة في كتابه"الإيمان"عن طاوس، قال: (عجبًا لإخواننا من أهل العراق يُسمون الحجَّاج مؤمنًا) .
وأخرج عن الشعبي قال: (أشهد أنه مؤمنٌ بالطاغوت، كافرٌ بالله) - يعني الحجاج - [5] .
(1) المرجع السابق: ص92. قال أحمد شاكر في التعليق: هنا بهامش الأصل ما نصه: (إنما كفَّرَهُ لأنه إذا كان علمُ الله مخلوقًا لزمَ أن يكون في الأزل بغير علم حتى خلقه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وهذا حق بديهي معلوم من الدين بالضرورة) اهـ.
(2) عجب: اسم زوجة عبد الرحمن الأموي، أمير قرطبة.
(3) الخراز: الذي يرش الجلود بالماء، ليسهل عليه خرزها.
(4) من حظاياه؛ أي من زوجاته المقربات.
(5) قال الشيخ ناصر في التخريج: (هذا الأثر والذي قبله أسنادهما صحيح) . قلت: هذا الأثر والذي قبله يُفيدان أن من أئمة العلم من كان يكفر الحجاج بعينه، ومنهم من لا يكفره، ونحن نميل لترجيح القول الآخر الذي لا يُكفِّر، والله تعالى أعلم.