وأنا هنا بدأت بالجُرْحِ القاتل وإلا فبلاء هؤلاء عظيم، مثل مشاركتهم بالشاشات الجالبة للضلالات وتلبيسهم على الأمة جواز إدخال أبنائها (المدارس الحادثة) المشحونة بالهَلَكات والتصوير وخلْط الحقِّ مع الباطل ونَحْوِ ذلك، وغير هذا من دواهيهم، فلو انشغلوا بنصح نفوسهم بتحقيق التوحيد والبعد عن الفتن لصاروا قدوة صالحة.
والعجب أن يوجد من الناس من إذا ذُكِرَ هؤلاء وبُيِّن أمرهم إظهارا للدين ونصيحة للأمة جعل ذلك من باب (الغيبة) وقال: (لُحُومُ العُلَمَاءِ مَسْمُومةٌ) ، ونحو ذلك ممَّا لا يفقهه على وجهه أو أنه يحتج به لهواه، وليس الكلام بهؤلاء من هذا الباب كما أن قائل هذه الكلمة (ابن عَسَاكِر) لم يقصد ما فهمه أهل الفُهُوم القاصرة، وسوف أُورِدُ كلامه وأوضِّح المقصود منه - إن شاء الله تعالى:
قال الحافظ (ابن عَسَاكِر) رحمه الله: (واعْلَمْ يَا أخِي - وَفَّقَنَا اللهُ وَإيَّاكَ لِمَرْضاتِهِ، وَجَعَلَنَا مِمَّنْ يَخْشاهُ ويَتَّقيه حَقَّ تُقَاتِهِ - أَنَّ لُحُومَ العُلَماءِ مَسْمُومَةٌ، وَعَادةُ اللهِ في هَتْكِ أسْتَارِ مُنْتَقِصِيهِمْ مَعْلُومَةٌ، لأنَّ الوَقِيعَةَ فِيهِمْ بِمَا هُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ أمْرُهُ عَظِيم ٌ، والتَّناوُلُ لأعْراضِهِم بالزُّورِ والافْتِراءِ مَرْتَعٌ وَخيمٌ، والاختِلاقُ عَلَى من اخْتارهُ اللهُ مِنْهُم لِنَعْشِ العِلْمِ خُلُقٌ ذَمِيمٌ) انتهى [1] ، وفيما يلي سأوَضِّح المقصودَ بِهَذا الكلام:
1 -يريد (ابن عَسَاكِر) -رحمه الله - بـ (العُلَماء) أنهم الذين يستحقُّون أن يُسَمَّوا (علماء) ، وهم الذين وصفهم بأن الله اختارهم لِـ (نَعْشِ العِلْم) ؛ يعني القيام به، وبيانه، والذبِّ عنه، ليس من تَمَعْلَم وسُمِّي بـ (العالِم) كحال كثيرين من أهل زماننا.
2 -قوله: (بما هُمْ مِنْهُ بَراءٌ) ، وقوله: (بالزُّور والافْتِراء) ، وقوله: (والاختِلاقُ) يُبَيِّن المراد وأنَّه القول فيهم بالكذب عليهم، فهذا هو المحذور.
3 -لا يعني كلامه هذا غلق الباب عن الكلام في العلماء إذا دعت الحاجة لذلك وحَسُنَ القصد في ذلك كما في كتب (الجرح والتعديل) والتراجم ومما يُؤثَر عن العلماء كلامهم في زلَّات بعضهم، بل هذا دين يُدَان الله به، وذلك بشروطه ليس للثَّلب والاستطالة وإسقاط منزلة العالم وإلا فكيف يحفظ الدين إذا لم تُبَيَّن الأخطاء؟
4 -ولا يعني كلام (ابن عَسَاكِر) أيضًا أن لحوم العلماء ليست مسمومة بالافتراء عليهم، وغِيبتهم وبهتهم، وإنما معنى كلامه أنّ العلماء الذين وصَفَهم غيبتهم أعظم من غِيبة غيرهم
(1) تبيين كذب المفتري، ص (49) .