فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 295

والجرح) للأئمة - رحمهم الله -، فبهذا التفصيل يتبين الفرق بين الغِيبة المذمومة والنصيحة الواجبة.

9 -أما تفسير النبي الغِيبة بأنها"ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ" [1] فهذا خارج عن الأخطاء في الدِّين، لأنَّ أخاك حقيقة لا يكره بيان خطئه في الدين، بل يَوَدُّ أن يُبَيَّنَ لِئلا تَضِلَّ الأمة بسببه؛ ومن فهِمَ من كلام النبي هذا أنه مطلق بحيث لا يُذْكَرَ أحدٌ فهو قد أُتيَ من سُوءِ فهمه أو من سوء قصده، لأنه ذكر من زلَّ وأخطأ، كذلك الصحابة -رضي لله عنهم-، ومن بعدهم مِمَّن يُقتدى بهم ذكروا من أخطأ حفاظًا على الدين ونصيحة للمسلمين. فهل يُفهم من قول النبي في شأن الغيبة:"ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ"أنَّ من أخطأ في الدين لا يُذكر؟!، هذا فَهْم سوء.

10 -وأخيرا لو عُمِلَ بمفهوم بعض الناس في الغيبة بأنَّ لحوم العلماء مسمومة مطلقا فلك أن تتصوّرَ ما الذي يبقى من الدين إذا جُعِلَ العلماء في مقام المعصومين!

هذا كلام مختصر وعلى عُجالة، وليس هو في بحث الغِيبة عمومًا، وإنما هو مناقشة لكلام (ابن عَسَاكِر) - رحمه الله- حيث يفهمه كثيرون على غير المراد ويحتجُّون به لأهوائهم أو لجهلهم، قال شيخ الإسلام (ابن تيمية) -رحمه الله-: (وقَاَلَ بَعْضُهُم لـ(أحْمَدَ بن حَنْبَل) : أنَّهُ يُثْقِلُ عَلَيَّ أنْ أقُولَ فُلانٌ كَذَِا وفُلانٌ كَذَا!، فَقَال:"إذَا سَكَتَّ أنْتَ وسَكَتُّ أنا فمَتَى يَعْرِفُ الْجَاهِلُ الصَّحيحَ منْ السَّقيمِ؟!"؛ وَمِثْلُ أَئِمَّة الْبِدَع مِن أَهْلِ المَقالاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتابِ والْسُّنَّةِ أو العِبَاداتِ المُخَالِفَةِ للكِتابِ والْسُّنَّةِ، فإنَّ بَيَانَ حالِهِم وتَحذِيرَ الأُمَّةِ مِنْهُم وَاجبٌ باتِّفَاقِ المُسْلِمينَ حتَّى قِيْلَ لِـ (أَحْمَدِ بن حَنْبَل) : الرَّجُلُ يَصومُ ويُصَلِّي ويَعْتَكِفُ أَحَبُّ إليكَ أوْ يَتَكَلَّمُ في أهْلِ الْبِدَع؟!، فَقَال:"إذا قَامَ وصَلَّى واعْتكَفَ فإنَّمَا هُوَ لِنَفْسِه، وإذا تَكَلَّمَ في أهْلِ الّبِدَعِ فإنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمين هَذَا أفْضَلُ"، فَبَيَّنَ أنَّ نفْعَ هذا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ مِنْ جِنْسِ الجِهَادِ فِي سَبِيْلِ اللهِ؛ إذْ تَطهِيرُ سبيل اللهِ وَدينِهِ ومَنْهَجِهِ وَشِرْعَتِهِ وَدَفْعُ بَغْيِ هَؤُلاءِ وَعُدوانِهِم عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ على الكِفَايَةِ بِاتِّفَاقِ المسْلِمينَ وَلَولا مَنْ يُقيمُهُ اللهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هؤُلاءِ لَفَسَدَ الدِّينُ وكَانَ فَسَادُهُ أعْظَمَ مِنْ فَسَادِ اسْتيلاءِ العَدُوِّ مِنْ أهْلِ الْحَرْبِ؛

(1) أخرج مسلم في صحيحه برقم (2589) عن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - قال:"أتدرون ما الغيبة؟! قالوا: الله ورسوله أعلم؛ فقال: ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَه، قيل: أفرأيتَ إن كان في اخي ما أقول؟!؛ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبْتَه، وإن لم يكن فيه فقد بَهتَّه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت