فإنَّ هؤلاء إذا اسْتَولَوا لَمْ يُفسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِنَ الدِّينِ إلا تَبَعًا وَأمَّا أُولَئِكَ فَهُمْ يُفْسِدونَ الْقُلُوبَ ابتِداءً!) انتهى [1] .
ويقول (الحسَن البصْري) -رحمه الله-: (ثَلاثَةٌ لَيْسَتْ لَهُمْ حُرْمَةٌ فِي الغِيبةِ: فَاسِقٌ يُعْلِنُ الفِسْقَ، والأمِيرُ الجائِرُ، وصَاحِبُ البِدْعَةِ المُعْلِنُ البِدْعَة) انتهى [2] .
وموضوع الغيبة المذمومة والفرق بينها وبين النصيحة وتحذير المسلمين مما يفسد الدين - كما تقدَّم - بيَّنها العلماء مثل قول (ابن القيم) -رحمه الله-: (والفَرْقُ بَيْنَ النصيحة والغيبَة أنَّ النصِيْحَةَ يَكُونُ القَصْدُ فِيهَا تَحْذيرُ المُسْلِمِ مِنْ مُبْتَدِعٍ أوْ فَتَّانٍ أوْ غاشٍّ أوْ مُفْسِدٍ، فتَذكُرُ مَا فيهِ إذا اسْتَشَارَكَ في صُحْبَتِهِ وَمُعامَلَتِهِ وَالتَّعَلُّقِ بِهِ كَمَا قال النَّبيٌّ لِـ(فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) - وَقَدْ اسْتَشارَتهُ في نِكاحِ (مُعَاوية) وَ (أبي جَهْمٍ) فَقَال:"أمَّا (مُعَاويَة) فَصُعْلُوكٌ، وأمَّا (أبُو جَهْمٍ) فَلا يضَعُ عصَاه عَن عاتِقِه"، وقَالَ بَعْضُ أصْحابِهِ لِمَنْ سَافَرَ معَهُ: إذَا هَبَطْتَ عَنْ بلاَدِ قَوْمِهِ فاحذَرْهُ.
فإذَا وَقَعَتِ الِغيبةُ على وجْهِ النَّصيحَةِ للهِ وَرَسولهِ وَعِبَادهِ المُسلِميْن فَهيَ قُرْبَةٌ إلى اللهِ مِن جُمْلَةِ الحَسَنَاتِ، وإذا وقَعَت عَلَى وجْهِ ذَّمِّ أخيكَ وتَمْزيقِ عِرْضِه والتَّفَكُّه بِلَحْمِهِ والغضِّ منه لِتَضَعَ مَنْزِلَتَهُ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ فهيَ الدَّاءُ العُضالُ ونارُ الحَسَناتِ التي تأكُلُها كَمَا تأكُلُ النَّارُ الحَطَب) انتهى [3] .
وقال (النَّوَويُّ) -رحمه الله - في أحكام الغيبة: (ومِنْ ذلكَ إذا ذَكَرَ مُصنِّفٌ كِتابَ شخْصٍ بِعينِهِ قائلًا:"قالَ فُلانٌ كَذَا .."مُريدًا بذلك تَنْقيصَه والشَّناعةِ عَليهِ فهوَ حَرامٌ، فإن أرادَ بَيَان غَلَطِهِ لِئلا يُقلَّدَ أوْ بَيَانَ ضَعْفِهِ في العِلْمِ لِئلا يَغْتَرَّ بِهِ ويُقبَلَ قَولُهُ: فَهذا لَيسَ غِيبةً، بلْ نَصيحةٌ وَاجِبَةٌ يُثابُ علَيهَا إذَا أرَادَ ذَلِكَ) انتهى [4] .
فتأمَّل قول (ابن القيم) - رحمه الله: (قُربَةٌ إلى اللهِ مِنْ جُمْلَةِ الحَسَناتِ) ، وقول (النَّوَوِي) - رحمه الله-: (بلْ نَصيحًةٌ وَاجِبَةٌ يُثابُ علَيهَا إذَا أرَادَ ذَلِكَ) تعلم خطأ من يجعل الغيبة بابًا واحدًا منهيًِّا عنه دون بيان الفرق الذي يذكره العلماء - كما تقدَّم من كلام (أحمد) و (ابن تيمية) و (الحسن) -رحمهم الله-، والذّبِّ عن الدين بذكر المنحرفين؛ وهذا غلطٌ
(1) مجموع الفتاوى، (28/ 231 - 232) .
(2) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) برقم (9669) .
(3) الروح، ص (240) .
(4) الأذكار، ص (338) .