فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 295

فأولًا: لقد بيّن أهل العلم حكم (المباهلة) ، وقد بيّن بعضهم في رسالة كتبها شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار وكلام الأئمة الأطهار؛ وحاصل كلامه فيها أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسَّر دفعه إلا بـ (المباهلة) فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة وتقديم النصح والاعتذار وعدم نفع ذلك ومساس الضرورة إليها [1] .

ثانيًا: (المباهلة) سنَّة ماضية أنزل الله بها قرآنا لقطع العناد ومكابرة نصارى"نجران"، قال تعالى: {إنَّ مَثَلَ عِيسَى عنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرين * فَمَنْ حَاجَّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَك مِنَ الِعلْمِ فَقُلْ تَعَالَوا ندْعُ أبْناءَنا وَأبْنَاءكُمْ وَنِساءَنا وَنِسَاءكُمْ وأنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ على الْكَاذِبِين} [آل عمران: 59 - 61] ، ولقد أُرعِبَ (النصارى) فلم يباهلوا، فصار ذلك هزيمة منكَرَة لأعداء الله.

وقال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُد لَهُ الرَّحمنُ مَدًَّا حتَّى إذَا رَأوْا مَا يُوعَدُونَ إمَّا العَذَابَ وإمَّا السَّاعةَ فَسَيَعْلَمُون مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا} [مريم:75] ، قال (ابن كثير) -رحمه الله-: (وَهذِه مُباهلَةٌُ لِلمُشرِكين الَّذين يزْعُمونَ أنّهم علَى هُدَىً فيمَا هُمْ فيهِ كَمَا ذَكَر َ تعالَى مُبَاهَلَة الْيَهُود في قوْلِه: {قُل يَا أَيُّها الَّذين هَادوا إنْ زَعَمْتُم أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ من دُوْنِ النَّاسِ فَتَمَنَّوا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة:6] ، أي ادْعُوا بِالمَوْتِ عَلَى الْمُبْطِلِ مِنَّا أَوْ مِنْكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ فإنَّه لا يَضٌرُّكُم الدُّعاء، فَنَكَلوا عَنْ ذَلِك) انتهى [2] .

وعلى مقتضى هذا الأصل الذي يقتضي أن الممتنع عن (المباهلة) يعتبر مُبْطِلًا مهزوما غير عالمٍ أنَّه على الحقِّ، فإن امتنعتم عن مباهلتي فقد شهدتم على أنفسكم بذلك، قال شيخ الإسلام (ابن تيمية) - رحمه الله-: (والنَّصارَى لَمَّا لَمْ يَعلَموا أنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ نَكَلوا عنِ

(1) وقد أورد هذا الكلام الشيخ (أحمد بن إبراهيم العيسى) - رحمه الله - شارح (الكافية الشافية) وذلك بعد أن ذكر مطالبة الإمام (ابن القيم) خصومه بـ (المباهلة) ؛ انظر: (توضيح المقاصد وتصحيح القواعد) (1/ 37) .

(2) تفسير ابن كثير، (3/ 136) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت