وعبارة (ويجمع الناس عليه) [1] فالأصل أن طريقة القهر والغلبة ليست من الطرق الشرعية، وإنما هي استثناءًا من الأصل أي بيعة أهل الحل والعقد، إعمالًا لقاعدة الضرورة وهي تحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، ونظرًا لمصلحة المسلمين لما قد يجرُّ ذلك عادة من الفتن.
قال رشيد رضا: (وَمعنى هَذَا أَن سلطة التغلب كَأَكْل الميتَة وَلحم الخِنْزِير عِنْد الضَّرُورَة تنفذ بالقهر وَتَكون أدنى من الفوضى. وَمُقْتَضَاهُ أَنه يجب السَّعْي دَائِما لإزالتها عِنْد الإِمْكَان، وَلَا يجوز أَن توطن الأَنْفس على دوامها، وَلَا أَن تجْعَل كالكرة بَين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها، كَمَا فعلت الأُمَم الَّتِي كَانَت مظلومة وراضية بالظلم لجهلها بقوتها الكامنة فِيهَا، وَكَون قُوَّة مُلُوكهَا وأمرائها مِنْهَا) . [لمزيد النظر راجع ألإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة والوجيز في فقه الخلافة] .
فائدة من قول عمر: «فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين ... » [2]
روى البخاري في [كتاب الحدود/باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت] عن ابن عباس قال: «كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن
(1) (ـ أي يتفقون ويجتمعون عليه قفي رواية إسحاق بن منصور"الإمام الذي يجمع عليه المسلمون كلهم يقول هذا إمام"و"وقهر الناس بشوكته وجنوده"تفيد تحقق الغلبة وعلامتها عبارة"صار قادرًا على سياستهم"، فشرط الإقرار بإمامة المتغلب الاجتماع وعدم الافتراق، أما قبل اجتماع الناس عليه واستقرار الأمر له، فلا وجه لوجوب طاعته، ولا صحة إمامته لبقاء المغالبة. قال الشنقيطي في الأضواء:(أن يتغلب على الناس بسيفه وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر وتدين له الناس لما في الخروج عليه حينئذ من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم) وقال ابن خويز منداد: (ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة) . ومع بقاء المغالبة لا يستتب له الأمر ولا تدين له الناس ولا يبايعون، فلا وجه للقول بإمامته إلا التسليم لاغتصاب حق الأمة في اختيار خليفتها، قال ابن نجيم في [البحر الرائق شرح كنز الدقائق] :(قال علماؤنا السلطان من يصير سلطانا بأمرين:
الأول: بالمبايعة معه، ويعتبر في المبايعة أشرافهم وأعيانهم.
والثاني: أن ينفذ حكمه في رعيته خوفا من قهره وجبروته، فإن بايع الناس ولم ينفذ حكمه فيهم لعجزه عن قهرهم لا يصير سلطانا)
(2) (ـ قال عمر رضي الله عنه في أول خطبته: «أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي» . فالقول بقوله عقله ووعاه من وصيته رضي الله عنه