فإن قيل قد يضطر أهل الحل والعقد إلى القول بانعقاد الإمامة بالعدد القليل مستأنسين بما ثبت عن بعض العلماء أن الخلافة تنعقد بأربعة أو بمن تيسر اجتماعهم ونحو تلك الأقوال.
فالجواب: سبق القول أنه إِذا لم يكن المبايعون بِحَيْثُ تتبعهم الْأمة فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة بمبايعتهم. والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، إلاّ أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، وقد يبايع رجال لا تفيد مبايعتهم شوكة ومنة قهرية، فلا يحصل للإمامة استقرار ..
وَمن ظن أَن كل من يُوصف بِالْعلمِ والوجاهة تَنْعَقِد ببيعتهم الْإِمَامَة وَيجب على الْأمة اتباعهم فِيهَا فقد جهل معنى الْحل وَالْعقد وَمعنى الْجَمَاعَة وَالْإِجْمَاع، وَمَا تقدم من الْأَخْبَار والْآثَار، وَمن كَلَام الْمُحَقِّقين فِي الْمَسْأَلَة ..
يقول الغزالي في فضائح الباطنية: (فإن شرط الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة، فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأي واحد إلا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته، وترسخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان) .
فرضا الأمة ومتابعتها معتبر. ولا أثر للضرورة إلا القول بالقهر والغلبة. والعمل بما أفتى به العلماء عند خلو الزمان عن السلطان مع الحفاظ على جماعة المسلمين أولى من تعريضها للاضطراب والفساد، والنظر لمآلات الأمور معتبر شرعا، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والفقه كل الفقه في معرفة خير الخيرين وشر الشرين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.