فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 133

والطريقة التي أُعلنت بها الخلافة لم تستوف شروط الإمامة العامة حيث لم تتم باختيار أهل الحل والعقد في الأمة، (باعتراف الدولة الإسلامية) ولم تتابع في تصرفها، ولم تتغلب على ديار المسلمين تغلبا يبيح لها القول بلزوم بيعتها على جميع المسلمين. فبيعتها لا تلزم المسلمين، ولا يؤثم من لم يبايعها بيعة الخلافة العامة فضلا عن أن يكفر.

وسيأتي مزيد إيضاح لهذا المعنى في الفرع الآتي.

الفرع الثامن: خطأ تكفير من لم يبايع إمامًا معينًا.

هذه المسألة ذكرها الشيخ أبو محمد المقدسي في [الثلاثينية] ، أوردتها إتماما للفائدة. فربما يتعصب البعض لبيعة الخلافة فيظن أن من لم يبايع يموت ميتة جاهلية ـ وقد سبقت ـ، وربما كفره.

يقول الشيخ: (ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير أيضا؛ تكفير من لم يبايع إماما معينا استدلالا بما رواه مسلم في صحيحه: «من مات وليس في رقبته بيعة مات ميتة جاهلية» ، وبما رواه مسلم أيضا: « ... من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية» فجعلوا الميتة الجاهلية كفرا مخرجا من الملة، مع أنها لفظة غير صريحة على إرادة ذلك بل هي محتملة، فلزم فهمها إذن على ضوء المحكم من النصوص المبينة لها، كما هو الشأن عموما مع النصوص المحتملة المتشابهة.

فنظرنا في أدلة الشرع المبينة لهذا، فوجدنا أن الباغي الخارج على جماعة المسلمين وإمامهم لا يخرج بذلك وحده من الإسلام، فقد قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ـ إلى قوله ـ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فسماهم مؤمنين مع البغي، فهذه قرينة مبينة أن المراد بالجاهلية في الحديث ما كان دون الكفر الناقل عن الملة، من المعاصي والخصال والعوائد الذميمة، ووصفت بذلك تشنيعا من شأن هذا الذنب الذي يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم، وتنفيرا عنه لأن فيه مشابهة لأهل الجاهلية الذين لم يكن يجمعهم إمام واحد أو جماعة واحدة. بل كانوا طوائف متفرقة، وقبائل متناحرة، يبغي بعضهم على بعض ويغزوا بعضهم بعضا.

ويؤيد ذلك أن لفظة (الجاهلية) قد وردت مرارا في استعمال الشارع في المعاصي التي هي دون الكفر والشرك، كما في قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} ، فالتبرج: من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت