فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 133

بزمام الأمور فقد قال العلماء بإمامة هذا المتغلب للضرورة، ولو كان فاسقًا أو جاهلًا أو عبدًا، بل قال بعضهم بإمامته ولو كان صبيًا أو امرأة، رغم أنه لم يستوف شروط الإمامة، ولم تعقد له البيعة بطريق صحيح، وذلك دفعًا للفتنة التي تنشأ من منازعته، وتصحيحًا لعقوده وتولياته.

ولم يستمسك العلماء في هذا المقام إلا بشرط الإسلام، فهو وحده الذي اتفقت الكلمة على عدم الترخص فيه بالنسبة لأئمة المسلمين بحال من الأحوال، لأن الإمامة لا تعقد لكافر أبدًا لا طوعًا ولا كرهًا. قال أحمد رحمه الله: (ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه، برًا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين) .

ثالثا: أثر الضرورة بالنسبة لمقاصد الإمامة:

من مقاصد الإمامة أنها لجمع كلمة المسلمين، وحراسة الدين، وسياسة الدنيا به، ومن هنا فرض نصب الأئمة ووجبت لهم على الأمة الطاعة والنصرة، فإذا خرج الإمام عن مقصود الإمامة، فلم تجتمع به كلمة المسلمين ولم يحرس به الدين، ولم تدبر به مصالح المسلمين وفقًا لما أنزل الله، فهل تنحل بذلك عقدة إمامته؟ وتصبح الأمة في حل من بيعته؟ سواء في ذلك أقلنا بكفره أو بإسلامه؟!

الذي يبدو لي - والله أعلم -(أنه لابد أن يفرق في ذلك بين ما جري مجري العثرة والفترة، وبين ما يعتبر منهجًا مطردًا وسنة دائمة.

-فما جري مجري العثرات والفترات لا تنحل به عقدة الإمامة لعدم انتقاض مقصودها به.

-وأما ما جرى مجرى السنة الثابتة والقواعد المستقرة بحيث يتحول به هذا الزيغ إلى عقائد راسخة وأحكام ثابتة فلا وجه للقول باستمرار الإمامة معه، وقد انتكست به أمور الدين، واختلت به أحوال المسلمين، وهو نقيض ما يقصد من الإمامة، وقد تمهد في قواعد الشرع أن العقد يبطل إذا كان يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، وذلك مما علم من الدين بالضرورة.

وإن الفقهاء ما قالوا بإمامة المتغلب، وترخصوا في كثير من الشروط التي يجب اعتبارها في الأئمة وفي الطريقة التي يجب أن تتبع في اختيارهم إلا لما يحققه هذا المتغلب من مقاصد الإمامة كإقامة الحدود، وسد الثغور، والجهاد في سبيل الله، والحكم بين الناس بما أنزل الله، ونحو ذلك) . [انتهى من الوجيز] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت