وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم ونار وغيره، فذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم جوابًا من جواب بعض من عبد غيره من هذا الصنف فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم: (إنَّا وجدنَا آباءنا على أمةٍ وإنَّا على آثارهمْ مقتدونَ) وحكى تبارك وتعالى عنهم أنهم قالوا: (لا تذرُنَّ آلهتكمْ ولاَ تذرنَّ ودًّا ولا سواعا، ولا يغوثَ ويعوقَ ونسرًا وقد أضلُّوا كثيرَا) (كتاب الرسالة ص 2 - 3)
وبين من كلام الشافعي أن الأديان تظل بلاد العرب وما والاها عند ظهور الإسلام كانت ما بين دين وثني يقوم على الشرك من أساسه، وما بين أديان تقوم على الوحي الذي لا يأتي بغير التوحيد، لكنها انحرفت عن سبيل الوحي فأصابها شوب من الشرك
وكان محمد صلوات الله وسلامه عليه يدعو الناس كافة إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، لا يميز في هذه الدعوة بين مشركين وأهل كتاب
وإذا كان القرآن ينادي:
(قل يا أهلَ الكتابِ تعالَوْا إِلَى كلمةٍ سواءِ بينناَ وبينكُمْ ألاَّ نعبدَ إِلاَّ اللهَ ولا نشركَ به شيئًا ولا يتخذَ بعضُناَ بعضاَ أربابًا مِنْ دونِ الله، فإن تولّوْا فقولُوا اشهدُوا بأنَّا مسلمونَ)
فإن القرآن يقول أيضًا:
(إنَّ الذينَ آمنوا والذين هادُوا والنصارَى والصابئينَ مَنْ آمنَ بالله واليوم الآخرِ وعملَ صالحًا فلهمْ أجرُهمْ عندَ ربِّهم ولا خوْفٌ عليهم ولا هُمْ يحزنونَ)
لا تختلف دعوة محمد حين توجه إلى أهل الشرك الصراح من وثنيِّي العرب، أو إلى أهل الكتاب بلا نزاع من اليهود والنصارى، أو إلى من يشتبه أمرهم ويختلط الرأي فيهم من الصابئة والمجوس
دعوة محمد إلى كل أولئك هي الدعوة إلى الدين الحق الواحد الذي لا يتغير بتغير الأنبياء والذي هو هدى أبدًا
ولما كان دين الحق واحدًا أوحاه الله إلى جميع أنبيائه وبينه في كل كتبه المنزلة فقد كان من الطبيعي أن يعتبر محمد أتباع الوحي ممن لهم كتاب أو شبهة كتاب أدنى إلى دعوته وإن حرفوا في دينهم، وأرجى أن يثوبوا إلى ما في أصول مللهم من إخلاص العقيدة لله وحده