موطنًا يستسلم فه الى أحلامه التي تحمله الى عالم الغيب والذهول، حتى أصبح يرى في الحانة معبدًا. وفي كثير من مقطوعاته كـ (سفينته الضالة) جاء بأفكار غامضة كل الغموض، وتعابير مبهمة كل الابهام. لأن الشاعر يخلق لنفسه الحروف والكلمات التي يراها مؤتلفة مع نفسه، ولكن فقدان التسلسل المنطقي يرخي على المقطوعة سدول الغموض، حتى لينتقل الابهام من الأفكار والمعاني الى الصور الشعرية وإذ ذاك يغدون القارئ شبيها بمتدحرج اصابه دوار في بصره شغله عن التأمل والتفكير.
الشعر الرمزي والموسيقى:
الموسيقي قبل كل شيء! الموسيقى دائمًا وأبدًا
ليكن شعرك شيئًا يطير من النفس صاعداص الى سماوات أخرى.
(بول فرلين)
الفن الشعري: - أنت تعلم ذلك التأثير الذي تثيره في النفس الواعية تلك الألحان الشائعة، لبحر يهدر، أو لجدول يخر، أو لنغمة تعلو من آلة موسيقية. فهذه الالحان لا تكلم العقل رأسًان وانما تكلم - قبل عقلنا - احساساتنا. فيخيل الينا أننا منطلقون منعتقون لأننا لم نتأثر بالعقل والمنطق. فتحملنا هذه الألحان ونحن كسالى هامدون، الى عالم ملؤه الراحة والسكون.
وقد فهم الرمزيون هذه الوشائج النفسية العميقة فأعلنوا - وفي طليعتهم - (فرلين، وراميون وملارمي) أنهم سيتخذون من الكلمات ألحانًا موسيقية، وأنهم سيعنون بوقعها قبل عنايتهم بمعانيها! فكانت هذه الثورة ثورة منتجة للغة، لأنها تهذبها وترفقها وتجملها، ولكنهم - كما أحسنوا في مواطن كثيرة - قد كبوا في مواطن كثيرة، لأنهم استعملوا كلمات غريبة ليس لها معنى يميزها، أو ميسم يسمها، واستخدموا ألفاظًا مجهولة لا تدرك إلا في معاجمهم الرمزية، حتى دعاهم هذا الى الاستخفاف بقيمة الكلمة والنص عن معناها، والالتفات الى وقع موسيقاها؛ ولم نكن لننكر ان القوم أحسنوا كل الاحسان في انعتاقهم من القواعد التقليدية، وعروجهم بالشعر الى مرابع خصبة ندية. فاللغات لا تزال قاصرة، لا تحدد كل كلمة مدلوها الذي وضعت من اجله. ولا تزال تضيق عن استيعاب ما يجود به عالم النفس