تتذبذب السياسة بين الشدة واللين بحسب ما توحيه ظروف السياسة ومصلحة الاستعمار. وآخر ما سمعناه أن أسبانيا لم تعد تطيق كلمة (العروبة) فهي تحاربها في كل ناحية تتوهم أنها تذكيها، حتى أن أعضاء البعثة المغربية في جامعات مصر قد عادوا إلى بلادهم هناك، فوجدوا أبواب السجون مفتحة لهم، وسبل العمل موصدة في وجوههم، وكل ذنبهم أنهم عرب تعلموا في مصر، وأن مصر تحمل لواء العروبة وأن العروبة شجي في حلق الاستعمار.
أيها الأسبان! تستطيعون أن تتناسوا عهودكم ومواثيقكم التي بذلها زعيمكم وارتبطتم بها، وتستطيعون أن تنسوا مبادئ المدنية التي تحمي حقوق الأمم وحريات الشعوب، وأن تنسوا التاريخ وما سيكتبه عن استعماركم الوحشي الغاشم، وأن تنسوا أيضًا ما للعرب عليكم وعلى أوربا من فضل بما علموكم وبما هذبوا من نظمكم وآدابكم. . . تستطيعون أن تنسوا كل هذا، ونستطيع نحن أن نصدق أنكم نسيتموه ما دمتم تتوهمون مصلحتكم في هذا النسيان، ولكن شيئًا واحدًا لا نظنكم تستطيعون أن تنسوه، هو قوة هذا الشعب العربي الأبي وبطولته، واستبساله في الدفاع عن كرامته وحريته. تذكروا أن ضربات ابن عبد الكريم لازالت جراحها في كل بيت من بيوتكم وكل أسرة في بلادكم، وتذكروا أن ابن عبد الكريم لا يزال حيًا، وإذا مات فان الشعب الذي أنجبه لا يزال حيًا قويًا قادرًا على استئناف جهاده وتضحياته.
أيها الأسبان! تذكروا مرارة قتال العرب وما يكلفكم من ثمن، وأن فرنسا التي أنقذتكم من ابن عبد الكريم قد تعجز عن إنقاذكم مرة أخرى، وأن للعالم اليوم أذنا تسمع وعينًا تبصر، فلن تسكت على وحشية الاستعمار التي تسلحتم بها لستر ضعفكم وجبنكم. تذكروا كل ذلك لا لوجه الإنسانية والمدينة، ولا خشية التاريخ وحكمه، ولا حرصًا على العهد وتمسكًا بالشرف، فهذه لغة قد لا تفهمونها ألان. . . ولكن اذكروه لمصلحتكم أنتم، فإن نسيانه سيكلفكم من الضحايا عددًا لا تستطيعون تقديره، وسيكون النصر أخيرًا للحق والمدافعين عن حقوقهم وحرياتهم.
أيها الأسبان! تذكروا أن الجشع الاستعماري الذي يسيطر عليكم ليس إلا عرضًا من أعراض الكلب المادي الذي أصيبت به أوربا، وأنكم إن لم تقضوا عليه فسيقضي عليكم،