فقد أصبحنا لا ندري ماذا يحدث بعد الغد! ومما لا ريب فيه أن للحرية الفكرية تكاليفها؛ فإنها ترفع تلك اليد التي تقود زمامنا، لكي تسلمنا إلى أنفسنا، وهنا يكون علينا أن نبحث كل شيء من جديد؛ ولكن لا كما يبحث الأعمى الذي يمسك بيده آخر، بل كما يبحث المبصر الذي يتحقق من كل شيء بنفسه.
ولن يكون في وسعنا أن نحل المسائل كما كان يحلها أسلافنا لأننا لن نطمئن إلى تلك الحلول السريعة التي تئب إلى المطلوب دون بحث واستقصاء. بل أن حلًا ما، مهما كان من صحته ودقته لن يكون حلا نهائيًا حاسمًا، مادامت معارفنا في تزايد مستمر وتقدم دائم. . .
أما النزعة اليقينية التوكيدية، فإنها لن تجد موضعًا في العالم الجديد. . . وكيف يمكن أن توجد مثل هذه النزعة في عالم يرى أناسه الحقائق كما هي، لا كما يقول بها مذهب معين أو رأي خاص؟
إن العالم الجديد هو عالم الفكر الحر، والبحث النزيه، والخير العام. فلن يشهد فجر الغد حجرًا على التفكير، أو ميلًا إلى الطعن والتشهير، أو سعيًا إلى الخراب والتدمير - وما دامت تلك الأصنام التي طالما تنابذ الناس من أجلها، لابد أن تندك يومًا، كما اندكت عروش أصحابها، فلابد أن يأتي ذلك اليوم الذي يشرق فيه فجر الحضارة الإنسانية الصحيحة
ومن واجبنا الآن أن نعمل على هدم تلك الأصنام التي تعوق مجيء ذلك اليوم. حقًا إن الإنسانية طالما حرقت البخور لها، وعفرت الجباه أمامها، ولكنها قد أخذت تدرك اليوم أن من واجبها أن تهوى بمعولها على تلك الأصنام جميعًا، فتأتي عليها عن آخرها - وما هذه الأصنام إلا الجهل، والتعصب الذميم، والنعرات القومية الفاسدة!
ولن يقوم في العالم سلام، إلا إذا كان ذلك في أرجاء الأرض قاطبة، ولن يكون ثمة رخاء، إن لم يكن ذلك رخاء عامًا، ولن يشرق فجر العالم الجديد، إذا لم يعم نوره الشرق والغرب والشمال والجنوب!
فليعلم إذن أولئك الذين يرجون قيام عالم جديد تسود فيه الحرية والطمأنينة والرخاء، أن عليهم أولا أن يقوضوا تلك الأصنام القديمة، حتى يقيموا على أنقاضها بنيان العالم الجديد المنشود!