تفكير الفرد مستمدة من ينبوع حضارته. وهذا مرض الجذام خير دليل على ما للمدنية من قوة فعالة للقضاء على الخبيث من الأمراض، وإسعاد الشعوب بإرشادها إلى ما يحميها مما يهدد كيانها أو ينغص عليها حياتها.
إن أول ما فعله الأوربيون في القرون الوسطى حينما انتشر المرض بين ظهرانيهم، ورأوا من ضحاياه الكثيرين في الشوارع والطرقات يسيرون هنا وهناك، أن اشمأزوا من رؤيتهم، وتأففوا من لمسهم وتجنبوا الاختلاط بهم أو التعامل معهم، وهذا هو العزل الفطري، عزل السليقة والإيحاء، وهو في تاريخ الطب الحجر الأول في نظام العزل الذي نعرفه اليوم (بالعزل أو الحجر الصحي) . أزعجتهم في بادئ الأمر تلك التشويهات الخطيرة التي أحدثها المرض بأجسام ضحاياه، وبالرغم من أن جوهره وأسبابه كانت مجهولة لهم تمامًا إذ لم يكونوا يعلمون من علم المكروبات شيئًا، إلا أنهم رأوا بالرغم من ذلك كله ضرورة إسكانهم في بيوت خاصة بهم ومنعزلة عن الأصحاء من أبناء جلدتهم، وقد اختيرت لهم في أغلب الأحيان بيوت واقعة خارج المدن لضمان عدم اختلاطهم بباقي السكان.
ولما كان عدد المجذومين في ذاك العهد كبيرًا، وإيواؤهم ثم إطعامهم لا تقوى الحكومات إلى القيام به منفردة، انبرى أغنياؤهم إلى مد حكوماتهم بالإعانة والتبرع والإحسان، صرح للمجذومين فوق ذلك أن يجوبوا الطرقات للاستجداء ليساهموا هم أيضا إلى حد ما في سد نفقاتهم، إلا أنه فرض عليهم في نفس الوقت أن يرتدوا لباسًا خاصًا، ويضعوا فوق رءوسهم غطاء معينًا ليراهم الجمهور من بعيد ويتميزهم. وإذا غفل عابر سبيل عن أن يرى مجذومًا مقبلًا عليه كان محتمًا على المجذوم أن يرفع رداء نصفيًا يغطيه حتى الذراعين بضع مرات متوالية في الهواء مؤديًا حركة تشبه طائرًا يرفرف بجناحيه حتى يسترعي نظر من هو مقبل عليه ليحذره، ولا يصطدم به، والويل ثم الويل للمجذوم إذا هو غفل عن ذلك فإنه كان يعاقب إذا ذاك عقابًا صارمًا.
أصلى محمد باهي