لا أمانة لهم ولا عهد ولا ذمة. وتعجبت أو تظاهرت بالتعجب وقلت متجاهلًا، وهاهو ذا دينه يؤدي إليك. فنظر إلي نظرة كلها لؤم وخبث يتبين ما إذا كنت أعلم شيئًا من قصة أردب القمح. ثم تركته في غيظه وألمه ينتفض انتفاضة من لدغته عقرب ويقسم أغلظ القسم أن لن يعين أحدًا من هؤلاء الفلاحين ناكري الجميل بعد اليوم. . .
ومررت أثناء عودتي بدار عم محمد النجار فأبصرته في مدخل الدار وبين يديه أدوات عمله وبعض أشياء من الخشب كان يصلحها؛ فسلمت على الشيخ فنهض للقائي في خفة ودعاني إلى الجلوس، فجلست بجانبه على حصيرة وهو يكرر في بشاشة وترحاب قوله (رمضان كريم) وإنه ليعلم أني أحبه كما أعلم أنه يحبني ويأنس إليّ؛ وقلما رآه أحد من القرية يقبل على امرئ أو يهش له كما يقبل عليّ ويهش لي، وذلك أن هذا النجار الشيخ على فاقته الشديدة يظن الظنون بمن يراهم أكبر منه قدرًا أو أكثر منه مالًا لأنه يكره أشد الكره أن يتكبر عليه أحد مهما بلغ من جاهه أو ثرائه، والويل كل الويل لمن يغلظ له في القول من أعيان القرية فإنه عند ذاك ينقلب من شيخ وديع هادئ إلى نمر شرس هائج لا يخيفه شيء، وقد أحس الشيخ أني أكبره وأحب حديثه فخفض لي جناحه وبسط لي مودته.
ونظرت إلى وجهه المسنون وإلى عينيه البراقتين وهو يصلح بعض أدوات الزراعة وكأنما يزداد هذا المحيا بشاشة ونضرة كلما علت بصاحبه السن، ولو أراد أن يعتذر إلي من عدم انصرافه عن العمل احتفاء بي كما كان ينبغي في رأيه فقال إنه يصلح هذه الأشياء الزراعية الصغيرة بغير أجر في رمضان من كل عام ليغنم الثواب مضاعفًا على الصوم، وهو لا يحب أن يخلف الوعد، فعما قليل سيأتي أصحاب هذه الأدوات لأخذها؛ وأثنيت عليه ما وسعني الثناء، فقال إنه يحمد الله على العافية وأنه يرى أعظم أنعم الله عليه أنه لم يقف مرة واحدة موقف الحاجة من أحد، وأنه لا يذكر لأي امرئ يدًا عليه حتى أولاده الأربعة الذين يعيشون كل في داره عيشة هي أوسع من عيشته. ونظر إلي مبتسمًا وقال: إن خير ما أدعو لك به وأنا أحبك أن يديم الله عليك العافية وألا تحتاج يومًا إلى إنسان. . .
وبينما كان يتحدث إلى النجار وهو يصلح تلك الأدوات الزراعية إذ دخل عليه رجل فسلم وقال: يا عم محمد. . . علمت أنك تبيع فجلك المزروع في جهة كيت فجئت لأشتريه. . . وتفكر النجار الشيخ قليلًا وقال: كم تدفع ثمنًا له؟ فقال الرجل: ستة جنيهات. فنظر إليه