وكثيرًا ما تفر المرأة من الحنين إلى الكناية والرمز، وهي في ذلك تقتدي بالرجل فتسير وراءه خطوة خطوة، ولكن أي رجل تتبع؟؟ إنها تعمد إلى شاعر سدت أمامه المسالك، وصلصلت في كفة القيود، فتتجه معه اتجاهه، مادامت ظروفه القاسية كملابساتها العنيدة، وإذا كانت المرأة تعتقد في قرارة نفسها أن الجل أحزم منها وأعقل، فأنها تسلك طريقه مطمئنة إلى السلامة واثقة بالنجاة. . .
ولعل أصدق مثال نقدمه للقارئ، هو حميد بن ثور الهلالي فقد كان ممن برح بهم العشق فأرسل قصائده الغزلية سافرة عارية ولكن الحاكم يقف في وجهه منذرًا مهددًا، فيمنعه من التغريد الساحر، وهنا يلجأ الشاعر إلى الكناية المقبولة فيتغزل في السرحة مطنبًا في محاسنها الفاتنة، ولعمري لقد وفق في اختياره فالسرحة ذات منظر جذاب، وثمر شهي، ونسيم منعش مريح وكل ذلك مما يذكر العاشق المدنف بمعبودته فيتمثلها أمام عينه إذ يقول:
أيا طيب رياها ويا حسن طعمها ... إذا حان من شمس النهار شروق
وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح مسدود على طريق
ومهما يكن من شيء فقد نفث الشاعر عن صبره. ولم يجعل لأحد سلطانًا عليه، ثم هو قد فتح الباب على مصراعيه لعلية بنت المهدي شقيقة الرشيد. فقد علقت غلامًا لها يسمى طلا ونظمت فيه من الرقائق الأنيقة ما هو جدير بأمثالها من المثقفات الناعمات، ولكن هرون يقف أمامها وقفة تحدى بها الفن تحديا ًصارخًا، فلجأت إلى التغزل في السرحة مقتدية بحميد إذ تقول:
أيا سرحة البستان طال تشوقي ... وما لي إلى ظل لديك سبيل
ثم تطلب في وصفها الساحر فتجلس على ناصية الإبداع والافتتان وذلك منها غير كثير. . .
وفي رأيي أن هذه الحيطة جميلة مقبولة تسير مع الأخلاق النبيلة مهيج واحد، وإن كان من الشاعرات السذج من تبالغ في الحذر والحيطة، فتعلن لك أنها تتقي الله عز وجل وتأتمر بأمر العفاف، ثم تعتقد أنها قد آمنت بذلك ما عسى ان يوجه إليها من ملامة أو نقد، فتصرح بما يثير حولها الشكوك، ويجعلها مضغة ملوكة في الأفواه، ودونك قول أم ضيغم البلوية
وبتنا خلاف الحي لا نحن منهمو ... ولا نحن بالأعداء مختلطان