في هذا الجو الملبد بالقسوة، المفعم بالرهبة، الحافل بالشذوذ، عاشت كلير. . . ومن هذا الجو الخانق خرجت إلى الحياة لتواجه الحقائق بعقلية الأب والأم (ومس برنكر) المربية العجوز، عدوة الرجال! ولكنها كانت أبدًا تحلم بأرض الميعاد، أرض العبقرية، أرض النبوغ. أرض الوحي والإلهام. . كانت تتمنى أن تصبح يومًا كاتبة عظيمة أو شاعرة عظيمة، وحين لم يتحقق لها شيء من هذا كله، راحت تحلم بأن تكون زوجة لكاتب عظيم أو شاعر عظيم، وما أجملها من أمان عذاب وهي تتخيل نفسها إلى جانبه، تعطف عليه فتوحي إليه، وتلهبه فتلهمه، ويذوقان معًا أول قطرة من قطرات الخمرة المسكرة. . خمرة الفن والمجد والخلود!
ولكن الأيام تمضي بها في طريق كل معالمه صخور وأشواك. . لقد دفعت بها إلى أحضان رجل لا يفهم لغة الفن، ولا موسيقى العواطف، ولا نبضات القلوب؛ وهكذا قدر لكلير أن تعيش في رحاب زوج لا يكاد يرى المرأة إلا من وراء منظار الشهوة المحترقة، الشهوة التي تنشد الجسد ولا تعبأ بنداء الروح، الشهوة التي لا تصغي لصوت غير صوت الغريزة، صوت الحيوانية المتأججة في الأعماق!. كان (ألبير لاراك) ملكا من ملوك المال، وفي بيته عاشت كلير كما تعيش الملكات، ولكن شيئًا واحدًا كان يحيل النور في عينها الساحرتين ظلامًا، ويلهب روحها بسياط العذاب، ويفجر الألم في أعماقها تفجيرًا. . . هو تلك العلاقة الجنسية (الشائنة) التي يفرضها عليها منطق الحياة والأحياء!. . . هذه الروحانية الشفافة التي كانت تحلم بها في أرض الميعاد، وهذا الهيام العلوي الذي كان يربطها بالسماء، وهذا الشعور المثالي الطليق المحلق في آفاق الخيال، هذا كله قد تحطم على أرض البشر. . . ويا ويح الخيال حين يرتطم بقسوة الحقيقة ومرارة الواقع! حتى هذا الطفل الذي أنجبته لم يثر في حنايا الضلوع عاطفة، ولم يشعرها يومًا بحنان الأمومة؛ لقد كان يذكرها دائمًا بأنه أتى إلى الدنيا عن هذا الطريق الذي كانت تبغضه، وتنفر منه، ويرمض جوانحها بالعذاب. عن طريق العلاقة الجنسية (الشائنة) ، علاقة (الشقاء المقدس) لا الرباط المقدس! هكذا كانت تشعر كلير، وتنظر إلى منطق الحياة والناس!
أرض الميعاد، ولا شيء غير أرض الميعاد. . أين من يقودها إلى هذه الأرض التي أقامت لها في معرض الفكر صورًا فاتنات، وحشدت لها الخيال يمدها بكل ما في إبداعه من ألوان