اللغة إذن بين القاصي والداني، وبين الأحياء والأموات، وبين الصغار والكبار، وبين المتمدنين والبدائيين. وتيسر بفضلها خزن التجارب والمعارف نقوشًا على جدران المعابد ورموزًا في بطون الكتب سجلًا خالدًا يغني عن تجشم الصعاب التي تجشمها غيرنا، ويوفر علينا جهدًا هو حقيق أن يبذل في تحصيل معارف جديدة وكسب تجارب مفيدة، نضيف إلى تراث الإنسان ذخائر جديدة. ولما كانت اللغة بمثابة النافذة التي تطل منها على نفوس البشر وعقولهم كانت بحق أداة الوحدة الاجتماعية أو عامل التكامل الاجتماعي - على حد تعبير مدرسة علم النفس التكاملي - عامل التأليف بين عقول البشر وقلوبهم وأذواقهم حتى قال بعض المفكرين إنه إذا كان للأفراد متفرقين عقول خاصة، فلهم مجتمعين عقل عام يسمونه (العقل الجمعي) الذي يتولد عن اجتماع عقول الأفراد ويزيد عن مجموعها. فالأفراد مجتمعين يكتسبون كيانًا مستقلًا عن كيان الأفراد، والمجتمعات منطق خاص يعلو على منطق الأفراد، وإرادة تفرض نفسها على إرادة الأفراد الجزئية، ونفوذًا يكسر من شوكتهم.
وغير خاف أن التكامل الاجتماعي، أو متانة البناء الاجتماعي ميزة حظى بها الإنسان - بفضل الوظيفة الرمزية - بينما الحيوان لا يزال في مرتبة دنيا من حيث الترقي الاجتماعي. ألا صدق الفلاسفة الذين فصلوا بين الإنسان والحيوان بوصفهم الإنسان بالحيوانية والمنطق.
عبد المنعم المليجي
مدرس الفلسفة بحلوان الثانوية