وليس ذلك عجيبًا إذا فهمنا نفسية الإنسان على حقيقتها: إذا تحمس لرأي حماسًا لا يقبل النقاش بأي حال فهو رأي أكثر استنادًا إلى رغبات وأهواء كامنة منه إلى أسباب ومبررات منطقية، وإذا كان تفكيره مرده إلى عواطف ونزعات نفسية كان الخيال رائده وملهمه.
فالتعصب الأعمى مظهر من مظاهر الأهواء الخافية، والخيال خادم مطواع للعواطف والأهواء والنزعات.
تلك قاعدة عامة تصدق في كل زمان ومكان، لدى الأفراد وبين الشعوب.
تأمل معي طفلًا غريرًا في الظلام، يملئوه الخوف والفزع، يسمع نأمة أو يلمح أمرًا عارضًا فيندفع نحوك صارخًا مرتعدًا ثم لا يلبث أن يحكي كيف رأى ماردًا يدق الطبل في الظلام وما الطبل في حقيقة الأمر إلا دق رقيق على الباب؛ وما العيون القادحة بالشرر إلا شعاع من نور ضئيل نفذ من ثقب من خلال الباب، ولكن الخوف في جوانح الطفل والقصص المسمومة التي يحملها في ذهنه عن شياطين الجان ومردة الظلام، ثم رغبته في التهويل، كل هذه تتضافر على إثارة الخيال، والخيال جامح لدى الأطفال جموحه لدى الشعوب البدائية.
فكل جبل ناء، أو غابة كثيفة، أو كهف مظلم، أو شجرة ضخمة متشابكة الأغصان، أو جدول دافق، أو نبع منبجس، مسرح للأرواح التي لا ترى.
الأرواح في كل مكان: هنالك أرواح الأرض، وشياطين الهواء، وجنيات المزارع، وعرائس الماء. وكل ما يحدث في هذه البقاع إنما هو من أفعال هذه الشياطين.
وحيث أن الإنسان البدائي قديمًا كان في غابر الأزمان، أو قائمًا بيننا في المجتمعات الزراعية، تهدده الطبيعة بأحداثها من عواصف ومجاعات وأمراض، ويحدوه الجهل والخوف، وتسيطر عليه التقاليد والأوهام والخيالات، فلا بد أن يتصور هذه الأرواح أقرب إلى الخبث والمضرة منها إلى الخير والمنفعة، والى الطغيان والجبروت منها إلى الرحمة والوداعة.
ألا ترى إلى جموع الفلاحين في مصر أو غير مصر، أولئك الذين يقضون حياتهم نهبًا للمخاوف ومسرحًا للعقائد الوهمية كيف يفسرون الحوادث بردها إلى علل خفية ما أنزل الله بها من سلطان؟ فالبقرة ماتت لأن فلانًا شهق في وجهها شهقة تنفث الحسد والحقد الدفين،