و ما قدمناه ـ عادة ـ قد يصلح مادة أساسية للاستدلال على صلاحية الرأي القائل بأن علم الأداء القرآني في قسيميه الأساسيين: عبارة عن جزء مهم من كلي الصوت اللغوي في القرآن، لارتباطه بعلم الأصوات ارتباطًا متماسكيًا لا يمكن التخلي عنه، فهو ناظر إلى مخارج الحروف وتجويدها، والمخارج بأصنافها تشكل مخططًا تفصيليًا لأجهزة الصوت، وكل حرف ينطلق من حيزه صوتًا له مكانه وزمانه، ساحته ومسافته.
(1) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر: 1>214.
الصوت الأقوى في الأداء القرآني:
في الأداء القرآني يحدث أن يحتل صوت مكان صوت، أو يدغم صوت في صوت، فيشكلان صوتًا واحدًا، ويكون الصوت المنطوق هو الأقوى في الإبانة والإظهار، وهو الواضح في التعبير، حينئذ يكون المنطوق حرفًا، والمكتوب حرفين، والمعول عليه ما يتلفظ به أداءّ، وينطق بجوهره صوتًا، ذلك ما يتحقق بعده الصوتي في ظاهرة الادغام.
إن رصد هذه الظاهرة أصواتيًا في التنظير القرآني مهمة جدًا لمقاربتها من ظاهرة «المماثلة» عند الأصواتيين.
الادغام عند النحاة: أن تصل حرفًا ساكنًا بحرف مثله متحرك من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف فيصير اتصالهما كحرف واحد (1) .
وعند علماء القراءات: هو اللفظ بحرفين حرفًا كالثاني مشددًا؛ وينقسم إلى كبير وصغير، فالكبير ما كان أول الحرفين متحركًا، سواء كانا مثلين أم جنسين، أم متقاربين، وسمي كبيرًا لكثرة وقوعه، ووجهه: طلب التحقيق.
والادغام الصغير: ما كان الحرف الأول فيه ساكنًا، وهو واجب وممتنع وجائز، والذي جرت عادة القراء بذكره هو الجائز (2) .
والادغام عند الأصواتيين العرب عرفّه ابن جني (ت: 392 هـ) بأنه: «تقريب صوت من صوت» (3) .
وهو عنده: إما تقريب متحرك من متحرك، فهو الادغام الأصغر، وهو تقريب الحرف من الحرف، وإدناؤه منه من غير ادغام يكون هناك. وإما تقريب ساكن من متحرك فهو الادغام الأكبر لأن الصوت الأول شديد الممازجة للثاني، لأنك إنما أسكنت المتحرك لتخلطه بالثاني وتمازجه به (4) .
(1) ظ: ابن يعيش، المفصل: 10>121.
(2) ظ: السيوطي، الاتقان في علوم القرآن: 1>263 و 267.
(3) ظ: ابن جني، الخصائص: 2>139.
(4) ظ: المصدر نفسه: 2>140.
ونقف عند قول ابن جني وقفة قصيرة لتحديد الصوت الأقوى. فتقريب الحرف من الحرف يحصل من غير إدغام فلا حديث لنا معه، وإنما يعنينا الحديث عن الادغام وهو ما يتحقق بالأكبر دون الأصغر، ويحدث بتقريب الساكن من المتحرك. لهذا فسيكون حديثنا متأطرًا بالادغام الأكبر دون سواه فيما بعد.
والتقريب الذي تحدث عنه ابن جني هو عين المماثلة عند الأصواتيين المحدثين، لأن المماثلة عبارة عن عملية استبدال صوت بآخر تحت تأثير صوت ثالت قريب منه في الكلمة أو في الجملة كما يعرفها جونز (1) .
والمماثلة نوعان: رجعية وتقدمية، وذلك بحسب كونها من الأمام إلى الخلف، أو من الخلف إلى الأمام.
والنوع الأول هو الأكثر شيوعًا من الآخر مع أن كلًا منهما يمكن أن يحدث في لغة واحدة (2) .
والمماثلة الرجعية تنجم من تأثر الصوت الأول بالثاني في صيغة افتعل في نحو (إذتكر) حينما تتفانى الذال والتاء، ويندكان تمامًا ليحل محلهما الدال مشددًا، فتكون (إدّكر) في مثل قوله تعالى: (وادّكر بعد أمة) (3) فقد تلاشى الصوت الأول وهو الذال في الصوت الثاني وهو التاء، وعادت التاء دالًا لقرب المخرج مع تشديدها لتدل على الاثنين معًا، وهذا هو تطبيق المماثلة في الادغام.
«وتتخذ المماثلة صورة تقدمية فيما ينطقه بعض الناس للفظة (إجتمع) بـ (إجدمع) فالتاء قد جاورت الجيم مجاورة مباشرة، فقد صوت التاء صفته كمهموس، ليصبح مجهورًا في صورة نظيره الدال» (4) .
(1) ظ: خليل العطية، في البحث الصوتي عند العرب: 71 وانظر مصدره.
(2) ظ: إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية: 126.
(3) يوسف: 45.
(4) إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية: 128.
(يُتْبَعُ)