فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقال ابن منظور (ت: 711 هـ) الغاشية القيامة، لأنها تغشى الخلق بأفزاعها، وقيل الغاشية: النار لأنها تغشى وجوه الكفار. وقيل للقيامة غاشية: لأنها تجلل الخلق فتعمهم (1) .
وبمقارنة هذه الأقوال، وضم بعضها إلى بعض، يبدو أن الغاشية كني بها عن القيامة لأنها تغشى الناس بأهوالها، وتعم الخلق بأفزاعها، فهي تجللهم الإحاطة من كل جانب، وقد تكون هي النار التي تغشى وجوه الكفار، وهي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها، وتلبسهم أهوالها. . إلخ.
إذن، ما أقرب هذا المناخ المفزع، والأفق الرهيب لمناخ الواقعة والقارعة والآزفة والراجفة والرادفة، إنه منطلق واحد، في صيغة واحدة، صدى هائل تجتمع فيه أهوالها، وصوت حافل تتساقط حوله مصاعبها، تتفرق فيه الألفاظ لتدل في كل الأحوال على هذه الحقيقة القادمة، حقيقة يوم القيامة برحلتها الطولية، في الشدائد، والنوازل، والقوارع، والوقائع، لتصور لنا عن كثب هيجانها وغليانها، وشمولها وإحاطتها:
(بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسئل أيان يوم القيامة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر) (2) .
دلالة الصدى الحالم:
تنطلق في القرآن أصداء حالمة، في ألفاظ ملؤها الحنان، تؤدي معناها من خلال أصواتها، وتوحي بمؤداها مجردة عن التصنيع والبديع، فهي ناطقة بمضمونها هادرة بإرادتها، دون إضافة وأضاءة، وما أكثر هذا المنحنى في القرآن، وما أروع تواليه في آياته الكريمة، ولنأخذ عينة على هذا فنقف عند الرحمة من مادة «رحم» في القرآن الكريم بجزء من إرادتها، ولمح من هديها.
قال تعالى: (أؤلائك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) (3) .
(1) ابن منظور، لسان العرب: 19>362.
(2) القيامة: 5 ـ 12.
(3) البقرة: 157.
وقال تعالى: (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) (1) .
وقال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم) (2) .
وقال تعالى: (كهيعص * ذكر رحمت ربك عبده زكريا) (3) .
وقال تعالى: (قال رب أغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك) (4) .
وقال تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب أرحمها كما ربياني صغيرا) (5) .
فأنت تنادي من صدى «الرحمة» بأزيز حالم، وتحتفل من صوتها بنداء يأخذ طريقه إلى العمق النفسي، يهز المشاعر، ويستدعي العواطف، ناضحًا بالرضا والغبطة والبهجة، رافلًا بالخير والإحسان والحنان، فماذا يرجو أهل الإيمان أكثر من اقتران صلوات ربهم برحمته بهم وعليهم، ولمغفرة من الله تعالى ورحمة خير مما تجمع خزائن الأرض وكنوزها، وهذا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذو الخلق العظيم، والمخائل الفذة، لولا رحمة ربه لما لإن لهؤلاء القوم الأشداء في غطرستهم وغلظتهم، وهذا زكريا تتداركه رحمة من الله وبركات في أوج احتياجه وفزعه إلى الله عزّ وجل: (إذ نادى ربه نداءً خفيا) (6) .
فيهب له يحيى (والله يختص برحمته من يشاء) (7) .
ووقفة مستوحية عند الأبوين الكريمين (وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمها كما ربياني صغيرا) (8) . فستلمس صيغة الرحمة قد تجلت بأرق مظاهرها الصادقة وأرقاها، توجيه رحيم، واستعارة هادفة، وعاطفة مهذبة، فقد اقترنت الرحمة بالاسترحام، وخفض الجناح بتواضع بل بذل إشفاقًا وحنوًا وحدبًا، فكما يخفض الطائر الوجل أو المطمئن السارب جناحيه حذرًا أو عطفًا أو احتضانًا لصغاره حبًا بهم، أو صيانة لهم من كل الطوارىء، أو هما معًا، فكذلك رحمة الولد البار بوالديه شفقة ورعاية، مواساة ومعاناة، في حالتي الصحة والسقم، الرضا والغضب،
(1) آل عمران: 157.
(2) آل عمران: 159.
(3) مريم: 1 ـ 2.
(4) الأعراف: 151.
(5) الإسراء: 24.
(6) مريم: 3.
(7) البقرة: 105.
(8) الإسراء: 24.
(يُتْبَعُ)