فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17097 من 30278

الدعة والاحتياج، يضاف إلى ذلك الدعاء من الأعماق «وقل رب ارحمها» مجازاة على تربيته صغيرًا، والرحمة، وارحمها، لفظان متلازمان في بحة الحاء المنطلقة من الصدر فهي صوتيًا مثلها دلاليًا من القلب وإلى القلب، ومن الشغاف إلى الشغاف، وهنا يظهر أن الرحمة ظاهرة واقعية تنبعث من داخل النفس الإنسانية، فيتفجر بها الضمير الحي النابض بالطهارة والنقاء والحب السرمدي، فهي إذن لا تفرض من الخارج بالقوة والقهر والإستطالة، وإنما سبيلها سبيل الماء المتدفق من الأعالي لأنها صفة ملائكية، تمزج الإنسانية بالصفاء الروحي.

«والرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو: رحم الله فلانًا. وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة، وعلى هذا روي أن الرحمة من الله إنعام وإفضال، ومن الآدميين رقة وتعطف» (1) .

فالله تعالى تفرد بالإحسان في رحمته إلى رعيته، فجاء له الحمد مساوقًا لهذه الرحمة (الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم) (2) . ونشر الرقة بين البشر في الطباع (ليدخل الله في رحمته من يشاء) (3) .

ولو تابعنا أصل المادة لغويًا لوجدنا ملاءمتها للمعنى صوتيًا في الرقة واللحمة والتناسب، فالرحم رحم المرأة، قل تعالى: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء) (4) . ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم من رحم واحدة نسبيًا، لذلك قال تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) (5) . ولولا قرابتهم لما كانت الولاية بينهم.

فكان الالتصاق في الرحم قد نشر الالتصاق بالولاية من جهة، وجدد الرحمة بالرقة والمودة والعطف الكريم.

(1) الراغب: المفردات: 191.

(2) الفاتحة: 2 ـ 3.

(3) الفتح: 25.

(4) آل عمران: 6.

(5) الأنفال: 75.

دلالة النغم الصارم:

أصوات الصفير في وضوحها، وأصداؤها في أزيزها، جعل لها وقعًا متميزًا ما بين الأصوات الصوامت، وكان ذلك ـ فيما يبد ولي ـ نتيجة التصاقها في مخرج الصوت، واصطكاكها في جهاز السمع، ووقعها الحاصل ما بين هذا الالتصاق وذلك الاصطكاك، هذه الأصوات ذات الجرس الصارخ هي: الزاي، السين، الصاد، يلحظ لدى استعراضها أنها تؤدي مهمة الإعلان الصريح عن المراد في تأكيد الحقيقة، وهي بذلك تعبر عن الشدة حينًا، وعن العناية بالأمر حينًا آخر، مما يشكل نغمًا صارمًا في الصوت، وأزيزًا مشددًا لدى السمع، يخلصان إلى دلالة اللفظ في إرادته الاستعمالية، ومؤداه عند إطلاقه في مظان المعنى.

وسأقف عند ثلاث صيغ قرآنية ختمت بحروف الصفير، لرصد أبعادها الصوتية؛ هي: «رجز» و «رجس» و «حصحص» .

1ـ الرجز، في مثل قوله تعالى: (أولآئك لهم عذاب من رجز أليم) (1) .

وقوله تعالى: (لئن كشفت عنا الرجز) (2) .

وقوله تعالى: (فلمّا كشفنا عنهم الرجز) (3) .

ويظهر في أصل الرجز الاضطراب لغة، فتلمس فيه الزلزلة في ارتجاجها، والهدة عند حدوثها، والنازلة في وقوعها، ولما كان القرآن العظيم يفسر بعضه بعضها، فإننا نأنس على هذه المعاني في كل من قوله تعالى:

(فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء) (4) .

وقوله تعالى: (فأرسلنا عليهم رجزًا من السّماء بما كانوا يظلمون) (5) .

(1) سبأ: 5.

(2) الأعراف: 134.

(3) الأعراف: 135.

(4) البقرة: 59.

(5) الأعراف: 162.

وقوله تعالى: (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كاموا يفسقون) (1) . ونستظهر في الرجز الإرسال والإنزال من السماء بضرس قاطع وأمر كائن باعتبار آخر العلاج بعد التحذير والإنذار.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت