فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17098 من 30278

2 ـ وحينما نقارن لفظ «الرجز» بمثيله معنى ومبنى «رجس» وهي مكونة كتكوينها في الراء والجيم، والسين كالزاي من حروف الصفير شديدة الاحتكاك في مخرج الصوت، ولها ذات الإيقاع على الأذن؛ حينما نقارن صوتيًا ودلاليًا بين الصوتين نجد المقاطع واحدة عند الانطلاق من أجهزة الصوت، ونجد المعاني متقاربة في الإفادة، فقد قيل للصوت الشديد: رجس ورجز، وبعير رجاس شديد الهدير، وغمام راجس ورجاس شديد الرعد.

قال تعالى: (قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب) (2) .

وقال تعالى: (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) (3) .

كل هذه الاستعمالات متواكبة دلاليًا في ترصد العذاب وصبّه وإنزاله، وهذا لا يمانع من أن تضاف للرجس جملة من المعاني الأخرى لإرادة الدنس والقذارة ومرض القلوب، وحالات النفس المتقلبة، نرصد ذلك في كل من قوله: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (4) .

وقال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) (5) .

وقال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (6) .

وقال تعالى: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وما توا وهم كافرون) (7) .

(1) العنكبوت: 34.

(2) الأعراف: 71.

(3) يونس: 100.

(4) المائدة: 90.

(5) الحج: 30.

(6) الأحزاب: 33.

(7) التوبة: 125.

فالصوت في المعاني كلها الصوت نفسه، والصدى ذات الصدى، ومن هنا أورد الراغب (ت: 502 هـ) : أن الرجس يقع على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع، وأما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع، وإما من كل ذلك. والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر، وقيل: إن ذلك رجس من جهة العقل، وجعل الله تعالى الكافرين رجسًا من حيث أن الشرك بالعقل أقبح الأشياء (1) .

3 ـ وحينما نقف عند الصاد في مثل قوله تعالا:

(قالت أمرأت العزيز الآن حصحص الحق) (2) . فإننا نستمع إلى الصوت المدوّي، إذ كانت الصاد واضحة الصدور من المخرج الصوتي. فكانت «حصحص» واضحة الظهور بانكشاف الأمر فيما يقهره على الأذغان، وهنا قد يمتلكك العجب لدى اختيار هذا اللفظ في أزيزه، ووضوح أمره مع القهر، فلا تردّ دلائله، ولا تخبو براهينه.

فإذا شددت الصاد كانت دلالتها الصوتية، وإرادتها المعنوية، أوضح لزومًا، وأشد استظهارًا، وأكثر إمعانًا كما في قوله تعالا: (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور) (3) .

فالتحصيل إخراج اللب من القشور، كإخراج الذهب من حجر المعدن، والبر من السنابل، فهو إضهار لما فيها كإظهار اللب من القشر، أو كإظهار الحاصل من الحساب (4) .

والصوت في صيغة الإرعاب، وفي سياق الوعيد، قد تلمس فيه نزع ما في القلوب من أسرار، واستخراج ما فيها من خفايا، دون طواعية من أصحابها؟؟.

وقد يعطي دوي العبارة، وهيكل البيان، صيغة الإنذار، وأنت تصطدم بالوقوف عند السين من حروف الصفير في قوله تعالى: (فلآ أقسم بالخنس *

(1) ظ: الراغب، المفردات: 188.

(2) يوسف: 51.

(3) العاديات: 9 ـ 10.

(4) ظ: الراغب، المفردات: 121.

الجوار الكنس* واليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس) (1) .

الصوت بين الشدة واللين:

ولا نريد بهذا الملحظ المظاهر الصوتية للحروف الشديدة أو حروف اللين، وإنما نريد الدلالة الأصواتية للكلمات وهي تتشكل في سياق يمثل الشدة حينًا، والرقة حينًا آخر، في دلالة تشير إلى أحدهما أولهما في ذات اللفظ، أو جملة العبارة.

ومن فضيلة النظم القرآني أن تنتظم هذه الظاهرة في الصوائت والصوامت من الأصوات، والصوائت ما ضمت حروف العلة عند علماء الصرف، وهي: الألف والياء والواو؛ والصوامت بقية حروف المعجم، وهي الصحيحة غير المعتلة.

ويبدو أن الأصوات الصائتة بعد هذا هي الأصوات المأهولة بالانفتاح المتكامل لمجرى الهواء، فتنطلق دون أي دوي أو ضوضاء، وتصل إلى الأسماع مؤثرة فيها تأثيرًا تلقائيًا في الوضوح والصفاء، وعلة ذلك انبساطها مسترسلة دون تضيق في المخارج.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت