فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17126 من 30278

سادرًا من الأرامل والأيامى والمساكين، ممن ألصقهم الفقر بالتراب، أو لصقوا هم به من الفقر والضر والفاقة، فأحال ألوانهم كلونه، فهم يلتحفون التراب ويفترشونه، ولا يجدون غيره، حتى عادوا جزءًا منه، وعاد هو جزءًا من كيانهم، فمن التراب وعلى التراب وإلى التراب.

هذا المناخ المزري عقبات متراكمة، من فوقها عقبات متراكمة، وإزالة هذه العقبات تدريجيًا هو الطريق إلى قفز تلك العقبة الكبرى

(1) عبس: 34 ـ 42.

وتجاوزها، في حياة قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو اطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة) (1) .

ما هذا الإيقاع المجلجل؟ وما هذه النبرات الصوتية الرتيبة؟ وما هذا النسق المتوازن؟ العقبة، رقبة، مسغبة، مقربة، متربة، أصداء صوتية متلاحقة، في زنة متقاربة، زادها السكت رنة وتأثيرًا ولطف تناغم، وسط شدة هائلة مرعبة، وخيفة من حدث نازل متوقع، فالاقتحام في مصاعبه ومكابدته، والعقبة في حراجتها والتوائها ومخاطرها، يتعانقان في موضع واحد، يوحي بالرهبة والفزع.

«والاقتحام هو أنسب الألفاظ للعقبة لما بينهما من تلاؤم في الشدة والمجاهدة واحتمال الصعب، والمناسبة بين اقتحام العقبة وبين خلق الإنسان في كبد، أوضح من أن يحتاج إلى بيان، والجمع بينهما في هذا السياق، يقدم لنا مثلًا رائعًا من النظم القرآني المعجز: فالإنسان المخلوق في كبد، أهل لأن يقتحم أشد المصاعب، ويجتاز أقسى المفاوز، على هدى ما تهيأ له من وسائل الإدراك والتمييز، وما فطر عليه من قدرة على الاحتمال والمكابدة» (2) .

قال الطبرسي (ت: 548 هـ) وهو يتحدث عن هذا السياق: «أنه مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال الخير والبر، فجعل ذلك كتكليف صعود العقبة الشاقة الكؤود، فكأنه قال: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام» (3) .

وإرادة التأنيب والتعنيف مع الحض والترجيح والتحبيب، في صيغة النفي وتقريره، والاستفهام وتهويله، حافز وأي حافز على معالجة هذه المخاوف الاجتماعية السائدة، ودرء هذه المشاكل العالقة في المجتمعات المتخلفة: السغب، اليتم، المسكنة، إنها آفات متطاولة تنخر في بنية

(1) البلد: 11 ـ 16.

(2) بنت الشاطي، التفسير البياني: 1>190.

(3) الطبرسي، مجمع البيان: 5>495.

الجسم الإنساني فتهدمه، واقتحامها بحزم يتركها وراء الإنسان مسافات مترامية، وذلك ما يهيء السبيل إلى تجاوز العقبة المترقبة الوقوع، في كل معانيها البيانية: حقيقية كانت أو مجازية.

إن ورود هذه الآيات في نسق صوتي متجانس، وصيغة إصلاحية هادفة، يضفي على الفاصلة القرآنية، جمالها المعهود، وحسها الإيقاعي الهادر، دون تطلع إلى تعبير مماثل أو مغاير، فهي تمتلك النفس، وتأخذ بالإحساس في نظام رتيب؛ فالحرية أولًا، والعطاء المغني ثانيًا، بدءًا بالأرحام، وعطفًا على الآخرين، وفيها أخذ بملحظ القرابة والرحم، وحث على تقديم ذوي القربى من المعوزين على الأباعد في فك القيود، وعتق الرقاب، والاطعام بإحسان.

ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات:

الملحظ الصوتي في فواصل الآيات القرآنية قائم على عدة ضواهر، نرصد منها أربع ظواهر:

الأولى: وتتمثل بزيادة حرف ما في الفاصلة وعناية للبعد الصوتي، وعناية بنسق البيان في سر اعتداله، ليؤثر في النفس تأثيره الحسّاس، فتشرئب الأعناق، وتتطلع الأفئدة حين يتواصل النغم بالنغم، ويتلاحم الإيقاع بالإيقاع، وأبرز مظاهر هذه الظاهرة ألف الاطلاق إن صح التعبير بالنسبة للقرآن، فقد ألحقت الألف في جملة من الآيات بأواخر بعض كلماتها، وكان حقها الفتح مطلقًا، دون مدّ الفتحة حتى تكون ألفًا، وانظر معي في سورة واحدة، إلى كل من قوله تعالى، وكأن ذلك معني بحد ذاته ومقصود إليه لا ريب:

وقال تعالى: (وتظنون بالله الظنونا) (1) .

وقال تعالى: (فأضلّونا السبيلا) (2) .

وقال تعالى: (وأطعنا الرسولا) (3) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت