فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17142 من 30278

لقد حدد الخليل كل صنف من اصناف الحروف المعجمية على بنية صوتية متميزة، تحسها كيانًا مستقلًا، وتتذوقها قاعدة صلبة، وعلل ذلك على أساس صوتي متكامل، ووعي بأبعاد هذا الأساس، فكوّن بذلك نظامًا فريدًا غير قابل للرد إذ جاء فيه بضرس قاطع لا يختلف به إثنان، وسيّر ذلك مسيرة نابضة بالحياة لا يلحقها الهرم، ولا تعوزها النضارة، فهي غضة طرية في كل حين، قال الخليل:

«فالعين والحاء والغين والخاء حلقية، لأن مبدأها من الحلق.

والقاف والكاف لهويتان، لأن مبدأها من اللهاة.

والجيم والشين والضاد شجرية، لأن مبدأها من شجر الفم.

والصاد والسين والزاء أسلية، لأن مبدأها من أسلة اللسان.

والطاء والتاء والدال نطعية، لأن مبدأها من نطح الغار الأعلى.

(1) الخليل، كتاب العين: 1>48.

والظاء والذال والثاء لثوية، لأن مبدأها من اللثة.

والراء واللام والنون ذلقية، لأن مبدأها من ذلق اللسان.

والفاء والباء والميم شفوية، لأن مبدأها من الشفة.

والياء والواو والألف والهمزة هوائية في حيز واحد، لأنها لا يتعلق بها شيء (1) .

إن هذه التسميات التشخيصية قد نهضت بكيان كل صوت وعادت به إلى نقطة انطلاقه، واهتداء الخليل إليها بذهنه المتوهج فطنة وذكاءً، دون مثال يحتذيه عند من سبقه من علماء العربية كنصر بن عاصم الليثي وأبي عمرو بن العلاء لدليل ناصع على موسوعية فذة، وعبقرية لا تقاس بالأشباه، كيف لا وبداية إفاضاته الصوتية مبكرة ومبتكرة.

ختم الخليل هذه المقدمة بما بدأه من ملحظ صوتي ليس غير: «بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين، وهو أقصى الحروف ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب، وبدأنا الأبنية بالمضاعف لأنه أخف على اللسان، وأقرب مأخذًا للمتفهم» (2) . ولمّا كانت هذه المقدمة مشتملة على الإفاضة الصوتية الأولى عند العرب، فإننا نشير إلى بعض ملامحها بإيجاز وتحديد:

1 ـ لقد أدرك الخليل بفطرته الصافية، وحسه المتوقد، أهمية الصوت اللغوي في الدراسات اللغوية المتخصصة، فأشار إلى أبعادها من ينابيعها الأولى، فوضع يده على الأصول في انطلاق الأصوات من مخارجها الدقيقة، وأفرغ جهده الدؤوب في التماس التسميات للمسميّات فطبق بها المفصل، وتمكن من استنباط طائفة صالحة من الأسرار الصوتية من هذا الخلال، لذلك فقد كان صحيحًا ما توصل إليه محققا العين أن في المقدمة منه «بواكير معلومات صوتية لم يدركها العلم فيما خلا العربية من اللغات إلا بعد قرون عدة من عصر الخليل» (3) .

(1) الخليل، كتاب العين: 1>58.

(2) المصدر نفسه: 1>60.

(3) ظ: مقدمة التحقيق لكتاب العين: 1>10.

فقد استعمل الخليل كلمة (حرف) للدلالة على إرادة (صوت) منها، فكانت الأصوات عنده هي: الحروف الذلق > الحروف الشفوية > حروف الحلق > حروف أقصى الحلق > الحروف الصحاح > الحروف الصم > حروف الجوف > حروف اللين > حروف مابين عكدة اللسان > الحروف اللهوية > الحروف الشجرية > الحروف الأسلية > الحروف النّطعية > الحروف اللثوية. . . إلخ (1) .

وهو يريد بذلك، أصوات الذلاقة، وأصوات الشفة، وأصوات الحلق، وأصوات أسلة اللسان .... الخ.

ولا يكتفي بهذا حتى يسمي هذه الأصوات بالإضافة إلى مخارجها ومدارجها، ناظرًا إلى هيئة المخرج من المدرج، وما يصطدم بها من أجهزة النطق أو يتجاوزها باندفاع الهواء، فيصفها في مثل النحو الآتي:

فمنها ما يخرج من الجوف وليس لها حيّز تنسب إليه سواه، ومنها ما يقع في مدرجة من مدارج اللسان، وما يقع في مدرجة من مدارج الحلق، وما يقع من مدرج اللهاة، وما هي هوائية، أي أنها في الهواء كالألف اللينة والواو والياء (2) .

2 ـ يبتدع الخليل في هذه المقدمة أمرًا ذا أهمية قصوى في حياة الأصوات، فيصنع ـ وبدقة متناهية ـ مخططًا شاملًا لمخرج كل صوت، ويقارن بين بعض الأصوات، فيضعها في حيّز متميز عن حيّز الأصوات ألأخرى، ويعطي بعض الخصائص المفرقة لصوت عن صوت، ويعالج إلحاق بعض الأصوات ببعض المخارج دون سواها، فتقف عند العلة والسبب، وتستظهر العلة التي تخفى ولا تكاد تبين، يقول الخليل في هذا التخطيط:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت