فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17155 من 30278

وابن جني يؤكّد هذه الحقيقة في المفردات اللغوية، ليعطيها صفة صوتية متمازجة، فالعرب «قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيبها، وتقديم ما يضاهي أول الحديث، وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي أوسطه، سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب، وذلك كقولهم: بحث، فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض، والحاء لصلحها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث والبث للتراب « (1) .

ولا غرابة بعد هذا أن نجد صيغتين من صيغ العربية تدلان على الحدث الصوتي من جانبين:

أ ـ فعال، وتستعمل في جزء كبير منها للدلالة على الأصوات والضوضاء مثل: صراخ.

ب ـ فعللة، فإنها تستعمل في العربية في جزء كبير منها للدلالة على حكايات الأصوات مثل: «الغرغرة» فإن صوتها من جنس تشكيل حروفها لفظيًا، وإن معناها صدى من أصداء صوتها.

هذا نفسه هو ما ينجم عن التوليد الصوتي للألفاظ عند الأوروبيين، كما في الكلمة (قهقه) والأصوات فيها دليل من دلائل المعنى، وإذا أضفنا إلى (قهقه) (تمايل) فإننا سنجد في الكلمة الأولى حدث تقليد صوت لصوت آخر، وفي الثانية ترجمت الحركة ترجمة بيانية بوسائل صوتية.

والمصطلح الذي يغلب إطلاقه في حالة الكلمات التي من هذا النوع هو (محاكاة الأصوات Onomatopeid ) (2) .

هذه جولة قد تكون نافعة فيما أوجده لنا ابن جني من تأصيل صوتي لكثير من الملامح والخصائص والمكتشفات.

(1) ابن جنيّ، الخصائص: > 162 ـ 163.

(2) ظ: ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللّغة: 73 ـ 74 بتصرف.

القرآن والصوت اللغوي

اتخذت المباحث الصوتية عند العرب القرآن أساسًا لتطلعاتها، وآياته مضماراُ لاستلهام نتائجها، وهي حينما تمازج بين الأصوات واللغة، وتقارب بين اللغة والفكر، فإنما تتجه بطبيعتها التفكيرية لرصد تلك الأبعاد مسخرة لخدمة القرآن الكريم، فالقرآن كتاب هداية وتشريع لا شك في هذا، ولكنه من جانب لغوي كتاب العربية الخالد، يحرس لسانها، ويقوّم أود بيانها، فهي محفوظة به، وهو محفوظ بالله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون) (1) . لهذا بقيت العربية في ذروة عطائها الذي لا ينضب، وظلت إضاءتها في قمة ألقها الذي لا يخبو، فكم من لغة قد تدهورت وتعرضت لعوامل الانحطاط، وانحسرت أصالتها برطانة الدخيل المتحكم من اللغى الأخرى، فذابت وخمد شعاعها الهادي؛ إلا العربية فلها مدد من القرآن، ورافد من بحره المتدفق بالحياة، تحسه وكأنك تلمسه، وتعقله وكأنك تبصره، فهو حقيقة مستطيلة لا تجحد، مسك القرآن باللسان العربي عن الانزلاق، وأفعم التزود اللغوي عن الارتياد في لغات متماثلة، حتى عاد اللسان متمرسًا على الإبداع، والتزود سبيلًا للثقافات الفياضة، لا يحتاج إلى لغة ما، بل تحتاجه كل لغة.

ورصد أية ظاهرة لغوية يعني العناية باللغة ذاتها، ويتوجه إلى ترصين دعائمها من الأصل، لأن الأصوات بانضمام بعضها إلى بعض تشكل مفردات تلك اللغة، والمفردات وحدها تمثل معجمها، وبتأليفها تمثل الكلام في تلك اللغة، والقدرة على تناسق هذا الكلام وتآلفه، من مهمة

(1) الحجر: 9.

الأصوات في تناسقها وتآلفها، وتنافر الكلمات وتهافتها قد يعود على الأصوات في قرب مخارجها أو تباعدها، أو في طبيعة تركيبها وتماسها، أو من تداخل مقاطعها وتضامهّا، ذلك أن اللغة أصوات. «ومصدر الصوت الإنساني في معظم الأحيان هو الحنجرة، أوبعبارة أدق: الوتران الصوتيان فيها، فاهتزازات هذين التوترين هي التي تنطلق من الفم أو الأنف ثم تنتقل خلال الهواء الخارجي» (1) .

ولغتنا العربية كبقية لغات العالم؛ عبارة عن أصوات متآلفة تنطلق من الوترين الصوتيين لتأخذ طريقها إلى الخارج.

بيد أن العربية سميت باسم صوت متميز بين الأصوات فعاد معلمًا لها، ومؤشرًا عليها، فقيل: لغة الضاد.

ومع أن ابن فارس (ت: 395 هـ) يقول:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت