فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17156 من 30278

«ومما اختصت به لغة العرب الحاء والظاء» (2) . إلا أن الضاد يبقى صوتًا صارخًا في العربية لا مشابه له في اللغات العالمية، بل وحتى في اللغات السامية القريبة الأصر من اللغة العربية، وكان لهذا الصوت نصيبه من الالتباس بصوت «الظاء» فكانت الإشارة منا في عمل مستقل إلى الاختلاف فيما بين الضاد والضاء حتى عند العرب انفسهم، وأن الالتباس بالضاد كان ناجمًا عن مقاربتها للضاء في الآداء، وعدم تمييز هذين الصوتين حتى لدى العرب المتأخرين عن عصر القرآن (3) .

ومن عجائب القرآن الأدائية، وضعه هذين الصوتين في سياق واحد، وبعرض مختلف، في مواضع عديدة من القرآن، ذلك من أجل الدربة الدقيقة على التلفظ بهما، والمران على استعمالهما منفصلين، بتفخيم الضاد وترقيق الضاء، قال تعالى: ( ... ولئن رجعت إلى ربى إنّ لي عنده للحسنى فلننبئنّ الّذين كفروا بما عملوا ولنذيقنّهم من عذاب غليظ * وإذا أنعمنا على

(1) إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية: 8.

(2) ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة: 100.

(3) المؤلف، منهج البحث الصوتي عند العرب: بحث.

الإنسان اعرض ونئا بجانبه وإذا مسّه الشّرّ) (1) . فالظاء في (غليظ) والضاد في (أعرض) و في (عريض) مما تواضع الأوئل على قراءته بكل دقة وتمحيص، وميزوا بذائقتهم الفطرية فيما بين الصوتين.

والحاء بالعربية تنطق «هاء» في بعض اللغات السامية، وكذلك صوتها في اللغات الأوروبية، فهما من مخرج واحد «ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء» (2) .

ولعمق التوجه الصوتي في القرآن لدى التمييز بين المقاربات نجده يضعهما في سياق واحد في كثير من الآيات، من أجل السليقة العربية الخالصة، قال تعالى:

(فسيحوا في الأرض اربعة أشهر واعلموا انكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكفرين * وأذن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر. . .) (3) .

فالحاء من «فسيحوا» والهاء من «أشهر» في الآية الأولى إلى جنب الهاء من «الله ورسوله» والحاء من «الحج» في الآية الثانية، جاءت جميعها بسياق قرآني متناسق في هدف مشترك للتمييز بين الصوتين حينًا، وللحفاظ على خصائص العربية حينًا آخر، ولبيان اختلاطهما عند غير العربي المحض، فلا يستطيع أداء «الحاء» تأديته «الهاء» إذ قد يلتبسان عليه، وهو جانب فني حرص القرآن على كشفه بعيدًا عن الغرض الديني إلا في وجوب أداء القرآن قراءة كما نزل عربيًا مبينًا.

لهذا نرى أن القرآن هو القاعدة الصلبة للنطق العربي الصحيح لجملة أصوات اللغة، ولا سيما الضاد والظاء أوالحاء والهاء، في التمرس عليهما والتفريق الدقيق بينهما.

ولقد كان سليمًا جدًا ما توصل إليه صديقنا المفضل الدكتور أحمد مطلوب عضو المجمع العلمي العراقي بقوله:

(1) حم السجدة (فصلت) : 50 ـ 51.

(2) الخليل، كتاب العين: 1>57.

(3) التوبة: 2ـ 3.

«إن من أهم خصائص العربية ثبات أصوات الحروف فيها، لأن جوهر الصوت العربي بقي واضحًا، وهو ما يتمثل في قراءة القرآن الكريم وإخراج الحروف الصامتة إخراجًا يكاد يكون واحدًا» (1) . لأن اللغة العربية تستمد أصولها من القرآن، بل تبقى أصولها ثابتة في القرآن، وأولويات هذه الأصول هي الأصوات لأن الأصوات أصل اللغات.

ولا غرابة بعد هذا أن يكون استقراء ملامح الظاهرة الصوتية في التراث العربي الإسلامي يوصلنا إلى أن القرآن الكريم هو المنطلق الأساس فيها، وأنه قد نبه بتأكيد بالغ على مهمة الصوت اللغوي في إثارة الإحساس الوجداني عند العرب، وإيقاظ الضمائر الإنسانية للتوجه نحوه لدى استعماله الحروف الهجائية المقطعة في جمهرة من فواتح السور القرآنية، وفي أسرار فواصل الآيات، وفي قيم الأداء القرآني، وفي الدلالة الصوتية للألفاظ في القرآن، وهو ما خصصت له هذه الرسالة فصولًا مستقلة، شكلت المادة الأولية للبنات الموضوع، ونهضت بمفصّل حيثيات الصوت اللغوي في القرآن.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت