فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17157 من 30278

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن البداية في اعتماد الصوت اللغوي في القرآن ضمن الدراسات العربية قد جاء ضمن مجموعتين دراستين هما: الدراسات القرآنية والدراسات البلاغية، ولا بد من الإشارة قبل ذلك إلى تردد جهود بعض الفلاسفة الموسوعيين لمجمل حياة الأصوات تمهيدًا لخوضها في القرآن.

فهذا ابن سينا (ت: 428 هـ) يضع رسالة متخصصة نادرة في الأصوات أسماها (أسباب حدوث الحروف) (2) . وقد كان متمرسًا فيها للإشارات الصوتية وتمييزها في الأسماع، وتحدث عن مخارج الأصوات وغضاريف الحنجرة، وعرض للفم واللسان تشريحيًا وطبيًا وتركيبيًا، وعني عناية خاصة بترتيب مخارج الصوت العربي مقارنًا باللغات الأخرى بحسب تركيب أجهزة الصوت الإنساني، وبحث مميزات الحرف العربي صوتيًا،

(1) أحمد مطلوب، بحوث لغوية: 27.

(2) طبعت في القاهرة، 1332 هـ + 1352هـ.

وحكم جهازه السمعي في معرفة الأصوات وأثر تذبذبها. وأما الدراسات القرآنية، فقد انطلقت إلى دراسة الأصوات من خلال الفصول القادمة في الرسالة ضمن موضوعاتها الدقيقة المتخصصة، وكانت على نوعين كتب إعجاز القرآن وكتب القراءات. أما كتب إعجاز القرآن، فقد كان المجلي فيها بالنسبة للصوت اللغوي علي بن عيسى الرماني (ت: 386 هـ) فهو أبرز الدارسين صوتيًا، وأقدمهم سبقًا إلى الموضوع، وأولهم تمرسًا فيه، إلا أنه بالضرورة قد مزج بين دراسة الأصوات وعلم المعاني مطبقًا تجاربه في باب التلاؤم تارة، ومتخصصًا لدراسة فواصل الآيات بلاغيًا كما سيأتي في موضعه.

أما التلاؤم الصوتي عند الرماني فهو نقيض التنافر، والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف، لأن تأليف الكلام على ثلاثة أوجه: متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا (1) .

ويعود الرماني بالتلاؤم إلى تجانس الأصوات، ولما كانت أصوات القرآن متجانسة تمامًا، فإن القرآن كله متلائم في الطبقة العليا، وذلك بيّن لمن تأمله، والفرق بين القرآن و بين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى، وبعض الناس أشد إحساسًا بذلك وفطنة له من بعض (2) .

ويبحث الرماني التلاؤم في أصوات القرآن من وجوه:

1 ـ السبب في التلاؤم ويعود به إلى تعديل الحروف في التأليف، فكلما كان أعدل كان أشد تلاؤمًا.

2 ـ والفائدة في التلاؤم، يعود بها إلى حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة.

3 ـ وظاهرة التلاؤم، ويعود بها إلى مخارج الحروف في اختلافها،

(1) الرماني، النكت في إعجاز القرآن: 94.

(2) المصدر نفسه: 95.

فمنها ما هو من أقصى الحلق، ومنها ما هو من أدنى الفم، ومنها ما هو في الوسط بين ذلك.

«والتلاؤم في التعديل من غير بعد شديد أو قرب شديد. وذلك يظهر بسهولته على اللسان، وحسنه في الأسماع، وتقبله في الطباع، فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات؛ ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام» (1) .

و أما كتب القراءات، فقد انتهى كثير منها بإعطاء مصطلحات صوتية اقترنت بالنحو تارة وباللغة تارة أخرى، وتمحضت للصوت القرآني بينهما، وكان ذلك في بحوث متميزة برز منها: الإدغام، الإبدال، الإعلال، الإخفاء، الإظهار، الإشمام، الإمالة، الإشباع، المدّ، التفخيم، الترقيق مما اصطنعه علماء الآداء الصوتي للقرآن كما سيأتي بحثه في حينه.

الحق أن الصوت اللغوي في القرآن قد بحث متناثرًا هنا وهناك في مفردات حية، تتابع عليها جملة من الأعلام المبرزين الذين اتسمت جهودهم بالموضوعية والتجرد وبيان الحقيقة، كان منهم: علي بن عيسى الرماني (ت: 386 هـ) وأبو بكر الباملاني (ت: 403 هـ) وأبو عمر الداني (ت: 444 هـ) ومحمد بن الحسن الطوسي (ت: 460 هـ) وجار الله الزمخشري (ت: 538هـ) وأبو علي الطبرسي (ت: 548 هـ) وعبدالله بن محمد النكزاوي (ت: 683هـ) وإبراهيم بن عمر الجعبري (ت: 732 هـ) وبدر الدين الزركشي (ت: 794هـ) وجلال الدين السيوطي (ت: 911هـ) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت