فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17312 من 30278

وخصائصه البيانية والبلاغية، أوقد يكون منهجًا تقنيًا فنيًا جديدًا يدرس هذه التجربة أو تلك على أساس كونها ظواهر حضارية إنسانية تخضع لمثل جديدة في تقدير قيمتها النقدية ـ الفنية الجمالية ـ التي تخلق الإعجاب والتقدير في طبيعة العمل الأدبي بالنسبة للقارئ والمتذوق» (1) .

واحسب أن التطور الدلالي هو من النوع الأخير، لأن الحركة النقدية المعاصرة التي اهتمت بالمنطق السمانتيكي (علم الدلالة) وعلاقته بالرمز تارة وبالصورة الفنية تارة أخرى، وبالخيال غيرهما تذهب إلى قيمة الدلالة باعتبارها كائنًا حضاريًا متطورًا يمثل قوة الإدراك في حياة الألفاظ والمعاني، وإن اهتمت بالخصائص البيانية والبلاغية في توجيه مسيرتها النقدية.

على أن المحدثين من الأوروبيين يختلفون في أولويت الدلالة بين اللفظ والمعنى و ينقسمون في ذلك إلى مدرستين نقديتين «المدرسة التحليلية» التي ترى أن المعنى يمكن تحليله إلى عناصره ووحداته الأساسية و «المدرسة العملية» التي ترى أن الكلمة ترمز إلى فكرة أوإشارة وأخيرًا إلى مجمل المعنى العام في الجملة أو التعبير. وتدرس هذه المدرسة الكلمات ذاتها مرتبطة بحدثها وعلاقاتها العلمية مع غيرها دونما اهتمام مباشر بالمعنى قبل الكلمة (2) .

وهذه النظرة التي ترجمها لنا عن الأوروبيين الدكتور عناد غزوان يحللها بقوله: ـ

«واختلاف المدرستين يعود إلى مدى اهتمامهما بالقارىء، السامع قبل المتكلم، أو بالمتكلم قبل السامع، فعلاقة اللغة بالفكر ليست من القضايا البسيطة لتداخلهما من جهة، لأنهما روح الحضارة الإنسانية من جهة أخرى فما ينشأ عن هذه العلاقة من غموض أو وضوح من إشارة أو رمز، من صواب أو خطأ، من حقيقة أو مجاز يتوقف على قدرة اللغة في توصيل فكرها إلى الآخرين وفي الإفصاح عن تلك التجربة الإدبية، وهنا

(1) عناد غزوان، التحليل النقدي والجمالي للأدب: 29.

(2) ظ. عناد غزوان، المصدر السابق: 32 بتصرف.

يبرز دور النقد الأدبي حضاريًا من خلال تحليله لعناصر التجربة بحثًا عن فكرها ودلالتها، ومدى ارتباطها بالأحداث الذاتية والإنسانية» (1) .

ومهما يكن من أمر فإن طبيعة البحث الدلالي في نظرية المحدثين من عرب وأوروبيين، لا تعدو إطار التعريف لكل من الدال والمدلول وعلاقة الألفاظ والمعاني، ومشاركة هذه العلاقة في إرساء دعائم الحضارة الإنسانية ضمن إشارات ثقافية ولمسات منهجية بأسلوب تغلب عليه السلاسة حينًا، والنعومة حينًا آخر، والتعقيد في المؤدي ثالثًا، وتزاحم الألفاظ، وتغاير التعبيرات، وتراكم الصيغ بين هذا وذاك في كثير من الأحيان.

ونحن بدورنا نؤيد ما أورده الدكتور إبراهيم أنيس في عدم وضوح الرؤية لدى هؤلاء الباحثين في التفرقة بين أصول الدلالات ومحدثاتها فهم يتجاهلون تأثير العامل التأريخي في اكتساب الألفاظ دلالتها بمرور الزمن، فيقول: «والأمر الذي لم يبد واضحًا في علاج كل هؤلاء الباحثين هو وجوب التفرقة بين الصلة الطبيعية الذاتية والصلة المكتسبة، ففي كثير من ألفاظ كل لغة نلحظ تلك الصلة بينهما وبين دلالتها ولكن هذه الصلة لم تنشأ مع تلك الألفاظ أو تولد بمولدها وإنما اكتسبتها اكتسابًا بمرور الأيام وكثرة التداول والاستعمال.

وهي في بعض الألفاظ أوضح منها في البعض الآخر، ومرجع هذا إلى الظروف الخاصة التي تحيط بكل كلمة في تأريخها وإلى الحالات النفسية المتباينة التي تعرض للمتكلمين والسامعين في اثناء استعمال الكلمات» (2) .

وهذا تعقيب يعنى بالجانب التاريخي للفظ من جهة وبالجانب النفسي من جهة أخرى.

وهذان الملحظان لم يغب تصورهما الدقيق عن الذهن العربي الإسلامي في القرون السابقة وهو ما ستجده فيما بعد.

(1) عناد غزوان، المرجع السابق: 32 وما بعدها.

(2) إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ: 71.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت