فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 221

وجد له التشبيه أصدق صورة في الكلب اللاهث، يدلع لسانه، ويسيل لعابه، وتخفق جانباه، في حالتي راحته وتعبه، وصورتي إيوائه وإبعاده، فالكلب هنا: أنسب كائن يراعي مقتضى الحال، فالذي انسلخ يكد ويكدح في تحريف كلمات الله، فهو جاحد لها، أو رافض لمضمونها، فالحالة هذه تمثله وهو ينوء بعبء لم يستفد منه، ويعاني ثقلا لم ينهض به، وهكذا الكلب في نصبه الكادح بداع وبغير داع، قال تعالى:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ... «1» .

وهكذا نجد الكائنات- وفيما ضربناه من أمثلة الكفاية- عنصرا من عناصر التشبيه اقتضته ضرورة الصورة لتحقيق الغرض الفني، فهو لم يرد مستعملا بوصفه تشبيها فحسب، بل بوصفه أسلوبا من أساليب البيان يعتمد عليه النص الأدبي الرفيع في القرآن الكريم لتشخيص الحقيقة من الغموض والإبهام.

3 -وهبات الطبيعة في المناخ والمياه والتربة والأنبات لمسات تشخيصية للتشبيه القرآني، متجانسة كل التجانس بما يحقق العمق الفني بأرقى مدركات التشبيه الحسية لتقريب المعنى العقلي البعيد فتجعله في متناول الفهم والتخييل عند الإنسان.

أ- فالقرآن الكريم حينما يشبه أمرا معنويا طيبا، وعملا إنسانيا صالحا، وكلمة نزيهة صادقة، يجد في معطيات الطبيعة، ومنح الكون، تشخيصا لهذا المدرك العقلي فهو يعده مباركا ثابتا متطاولا، والشجرة الطيبة في نموها وظلالها ورسوخها خير مثال له في التشبيه المنتزع من أمور متعددة، والعكس بالعكس في الأمر المعنوي الخبيث في ملاءمته للشجرة الخبيثة في بقعتها وثمرتها وزعزعتها عن الأرض، وهو بهذا يضفي الظل المحسوس المعاصر للإنسان على ذلك الظل الخفي المعقول الذي لا يدرك

(1) الأعراف: 175 - 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت