فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 221

ومن خصائصها التي تذكر بها وهي عنوان مناقبها أنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، وإذا تأملت أقسام الصنعة التي بها يكون الكلام في حد البلاغة، ومعها يستحق وصف البراعة، وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حلاها، وتقصر عن أن تنازعها مداها، وصادفتها نجوما هي بدرها، وروضا هي زهرها، وعرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل، وكواعب ما لم تحسنها فليس لها في الحسن حظ كامل، فإنك لترى بها الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفية بادية جلية، وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعز منها، ولا رونق لها ما لم تزنها، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها، إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلا الظنون، وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها، وإنما ينجلي الغرض منها ويبين إذا تكلم على التفاصيل، وأفرد كل فن بالتمثيل ... إلخ» «1» .

وبعد هذا الوصف المستفيض لخصائص الاستعارة وسماتها، وفلسفتها وأغراضها، وموقعها وكيانها، يتعرض عبد القاهر إلى التفصيل، ويقسمها وينظر لها بما يعد تجلية لخصائص الاستعارة فنيا، وتحقيقا في قيمتها بلاغيا.

إننا نستطيع أن نلمس في الاستعارة عدة خصائص فنية يمكن إجمالها بالشكل الآتي:

أ- إن الاستعارة تنتقل بالنص من الجمود اللفظي المحدد له إلى السيرورة في التعبير، والمرونة في الاستعمال، ألا ترى إلى قوله تعالى:

وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا «2» .

إنك تقف مبهورا أمام بلاغة التعبير، ودقة المعنى، وسيرورة

(1) عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة: 40 - 42.

(2) مريم: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت