فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 221

الألفاظ، فالمستعار منه هو النار، والمستعار له هو الشيب، وقد جمعهما معنى حسي بوجه حسي، وهو التوهج، وإنك لا تجد ذلك في: وازداد الرأس شيبا، ولا في: شاب رأسي، ولا في غيرهما عند التقدير، فكأن اللفظ بصيغته الاستعارية وضعت لهذا المعنى السيار.

ب- يتجلى في الاستعارة إعطاء صفة الفعل لمن لا يفعل، وإضاءة الكائنات بالتصرف وإن لم تتمكن، ألا ترى إلى قوله تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) «1» وما فيه من إضفاء صفة من يعقل إلى ما لا يعقل، ومزية من يعمل إلى من لا يعمل، وفضيلة الفعل إلى من لم يفعل، ويكفي أن أحيلك إلى أبي هلال العسكري ليكشف لك هذا المصدر البياني من جانب آخر بالإضافة إلى ما سبق بقوله:

«حقيقة الشهيق هاهنا الصوت الفظيع، وهما لفظتان، والشهيق لفظة واحدة، فهو أوجز على ما فيه من زيادة البيان. وتميز: حقيقته تنشق من غير تباين، والاستعارة أبلغ، لأن التميز في الشيء هو أن يكون كل نوع منه مباينا لغيره، وصائرا على حدته، وهو أبلغ من الانشقاق، لأن الانشقاق قد يحصل في الشيء من غير تباين، والغيظ: حقيقته شدة الغليان، وإنما ذكر الغيظ، لأن مقدار شدته على النفس مدرك محسوس، ولأن الانتقام منا يقع على قدره، ففيه بيان عجيب، وزجر شديد لا تقوم مقامه الحقيقة البتة» «2» .

وفضلا عما سبق إليه أبو هلال نجد الاستعارة قد حققت في الألفاظ الثلاثة: الشهيق، تميز، الغيظ، دلالة لا يمكن استيعابها في الألفاظ الاعتيادية لو استبدلت فيها، وفي هذا الاستعمال صوت نار جهنم بصورة هائلة تخيلتها ازددت منها رعبا، وملئت منها فزعا، وكأنها مخلوق ذو قوة وبطش، ومجهول ذو منظر عبوس.

ج- يتمثل في الاستعارة، تهويل الأمر، ودقة المبالغة، وشدة الوقع، ويمثل هذا الملحظ قوله تعالى:

(1) الملك: 7 - 8.

(2) العسكري، كتاب الصناعتين: 277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت