فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 221

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) «1» .

فالمراد ذر بأسي، وأترك عذابي وعقوبتي، إلا أن المبالغة في التهديد، والشدة في الوعيد، اقتضت نسبة ذلك إليه- تعالى- ولو استعمل غير هذا اللفظ لما قام مقامه، ولا أدى دلالته، ولبقيت الصورة المرادة غير ماثلة للعيان كما هو الحال الآن.

د- تريك الاستعارة في تعبيرها إشاعة الحياة في الجماد، وإفاضة الحركة عند الكائنات، وكأنها ناطقة تتكلم، ومكلفة تمتثل، وقادرة تتصرف، كما في قوله تعالى:

ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11) «2» .

وفي هذا دلالة على التوسع في اللغة، والمبالغة في الإيجاز، والتفنن في التصوير، فإشاعة الحركة في السماء والأرض تغني عن شرح إطاعتهما وكيفيته بالتقدير أو التسخير، وإضافة هذه المقدرة في الاستماع والاستجابة تكفي عن البيان المستفيض في الإبداع، وتصورها بهيئة من يعي ويسمع وينطق تغني عن التمثيل والتشبيه.

هـ- يلاحظ في الاستعارة التقريب الوصفي، ومراعاة المناسبة، ولمح الصلة بين الأصل والنقل الاستعاري، وذلك كقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ... «3» .

«وهذا الوصف إنما هو على ما يتلوح للعين لا على حقيقة المعنى، لأن الليل والنهار اسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه لغروب الشمس وإضاءته لطلوعها، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر، إلا أنهما في رأي العين كأنهما ذلك، والسلخ يكون في الشيء الملتحم بعضه ببعض، فلما كانت هوادي الصبح عند طلوعه كالملتحمة بإعجاز الليل

(1) المدثر: 11.

(2) فصلت: 11.

(3) يس: 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت