فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 221

أجرى عليها اسم السلخ، فكان أفصح من قوله لو قال: نخرج، لأن السلخ أدل على الالتحام المتوهم فيهما من الإخراج» «1» .

وكل ما تقدم من خصائص يوحي بأن الاستعارة هي التي لونت هذه الصور، وكشفت أصالة ما يريد القرآن في التعبير عنه بآياته المشتملة على الاستعارة لغرض خاص يمنحها قوة الأمثال من جهة في السيرورة والانتشار، والدرجة البلاغية في المتانة والجودة من جهة أخرى، بحيث يعود لفظ الاستعارة متميزا لا يسد مسدّه لفظ آخر، ولا يشاكله تعبير مقارب، وتلك لمحات فنية مؤثرة، وأسرار جمالية متناهية آثرت التصوير الاستعاري بإضافات تحدت المفهوم الحقيقي للكلمات في أصل اللغة، وبذلك بلغت الاستعارة في القرآن الكريم مرتبة الإعجاز، وفاقت المستوى الحضاري للكلمات في ذروة تطورها وعطائها عند العرب.

يقول الدكتور أحمد بدوي متحدثا عن تأثير الاستعارة القرآنية:

«وإذا أنت مضيت إلى الألفاظ المستعارة رأيتها من هذا النوع الموحي لأنها أصدق أداة تجعل القارئ يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه، وتصور المنظر للعين، وتنقل الصوت للأذن، وتجعل الأمر المعنوي ملموسا محسا ... فقد يجسم القرآن المعنى، ويهب للجماد العقل والحياة، زيادة في تصوير المعنى وتمثيله للنفس، وذلك بعض ما يعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية، ومن أروع هذا التجسيم قوله سبحانه:

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ... «2» .

ألا تحس بالغضب هنا كأنه إنسان يدفع موسى ويحثه على الانفعال والثورة، ثم سكت وكف عن دفع موسى وتحريضه» «3» .

إن جميع الصور الاستعارية التي تشتمل عليها فقرات جملة من الآيات القرآنية، لا يمكن أن تتجلى على حقيقتها إلا بالاستعارة بحيث

(1) العسكري، كتاب الصناعتين: 279.

(2) الأعراف: 154.

(3) أحمد أحمد بدوي، من بلاغة القرآن: 217 و 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت