فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 221

وكان هذا التقسيم مدار البحث البلاغي عند المتأخرين، حتى إذا تلاقفوا هذه التقسيمات، أضافوا إليها، وشققوها إلى أقسام أخر، تتجاوز العشرة من حيث وجوه الشبه وأدوات التشبيه وأطرافه، مما ذهب برونق الاستعارة التصويري، وبهائها الفني فعادت علما جافا لا ينبض بالحياة.

ولا كبير أمر في ذكر جميع هذه الأقسام والدخول في تفصيلات تلك الأنواع، والتعقيب على هذا وذاك، ولكننا سنعالج في حدود معينة أهم ما تواضعوا عليه، وأبرز ما ذهبوا إليه، ممثلا له بما في كتاب الله تعالى من علائم وسمات ومصاديق:

1 -الاستعارة التصريحية: وهي ما صرح فيها بلفظ المشبه به دون المشبه، أو ما استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه، ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى:

كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ... «1» .

ففي هذه الآية استعارتان في لفظي: الظلمات والنور، لأن المراد الحقيقي دون مجازهما اللغوي هو: الضلال والهدى، لأن المراد إخراج الناس من الضلال إلى الهدى، فاستعير للضلال لفظ الظلمات، وللهدى لفظ النور، لعلاقة المشابهة ما بين الضلال والظلمات؛ فكما ترين الظلمات على الآفاق فتحجب الأضواء والاشعاع فكذلك يرين الضلال على القلوب فيحجب الهداية والرشاد. ولتشابه النور بالهدى في مجال الإيمان، فكما ينتشر النور في الآفاق فيملؤها سناء وبهاء، فكذلك ينتشر الهدى في القلوب فيملؤها تقوى وإيمانا، هذه العلاقة بين كلا الاستعمالين أدركت عقلا بقرينة حالية أملاها سياق النظم وترابط المعاني.

وهذا الاستعمال- كما ترى- من المجاز اللغوي لأنه اشتمل على تشبيه حذف منه لفظ المشبه، وأستعير بدله لفظ المشبه به، وعلى هذا فكل مجاز من هذا السنخ يسمى «استعارة» ولما كان المشبه به مصرحا بذكره سمي هذا المجاز اللغوي، أو هذه الاستعارة «استعارة تصريحية» لأننا قد

(1) إبراهيم: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت