المعنى أنفع وأنجع «1» .
ويخلص إلى أن البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان ذلك الدليل. لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والأفهام، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى، ذلك هو البيان في ذلك الموضع «1» .
وهذا الاتساع الفضفاض في صفة البيان لا يعطي دلالة اصطلاحية، ولا يفضي إلى ضبط علمي دقيق عند الجاحظ، وإنما يعني بأهمية البيان أكثر من تحديده وبقيمته عند القدامى والمعاصرين له بشكل يوحي بعدم إرادته للمصطلح بل البيان بمعناه العام المطلق المشتمل على معايير القول وموازين الكلام، فهو يورد التعميمات الآتية(البيان بصر، والعي عمى ...
البيان من نتاج العلم، والعي من نتاج الجهل ... البيان ترجمان العلم ..
حياة العلم البيان ... البيان عماد العلم) «3» .
وفيما أورده يتضح أنه نثر بعض الحكم والأمثال في صفة البيان وأهميته بالنسبة للعلم وموقعه منه، وهذا يدلنا بوضوح أن المصطلح بعد لم يتمخض عن ميلاد. وينطوي أكثر من قرن على هذا الفهم للبيان فيطل بلاغي عظيم القدر هو علي بن عيسى الرماني (ت: 386 هـ) فلا يزيد على البيان في دلالته شيئا، بل نجده يحذو حذو الجاحظ في عموميات وتقسيمات أشار إليها الجاحظ من ذي قبل، وهي جميعا لا تعنى بالمعنى الاصطلاحي، ولا تحدد تضاعيفه.
حقا لقد حصر الرماني بنظرة بلاغية قويمة جزءا يعتد به من أشتات البلاغة العربية ومفرداتها، وكان هذا الحصر متمثلا بتقسيمه البلاغة إلى عشرة أقسام هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل،
(1) الجاحظ البيان والتبيين: 1/ 77.
(3) المصدر نفسه: 1/ 78.