فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 221

مقتضب، استوى كل ذلك على الوجه المراد، ولوجدت تحقيق القوم فيه دائرا حول تخير ألفاظه، أو دقة استعارته أو جودة كفايته، ولم يتعرض أحد لموقعه الأعرابي وتأثيره هذا الوقع وحده- في تخير هذا الإيجاز.

لقد أطال كل من السكاكي والقزويني ومن قبلهما الزمخشري في بيان وجه بلاغة قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا «1» .

فقد عدّه السكاكي من القسم الثاني من الإيجاز ذاهبا إلى أنه وإن اشتمل على بسط فإن انقراض الشباب وإلمام الشيب جديران بأبسط منه، ثم ذكر أن فيه لطائف يتوقف بيانها عن النظر في أصل المعنى ومرتبته الأولى «2» .

وأفاض القزويني بإيراد بلاغة الآية في خمسة عشر ملحظا بلاغيا دقيقا تحدث فيها بإسهاب عن الجمال التركيبي والمعنوي واللفظي للآية بما لا مزيد عليه، ثم عاد إلى طريقته فقال: «واعلم أن الذي فتق أكمام هذه الجهات من أزاهير القبول في القلوب: هو أن مقدمة هاتين الجملتين وهي «رب» اختصرت ذلك الاختصار، بأن حذفت كلمة النداء، وهي «يا» وحذفت كلمة المضاف إليه، وهي ياء المتكلم، واقتصر من مجموع الكلمات على كلمة واحدة فحسب، وهي المنادى، والمقدمة للكلام- كما لا يخفى على من له قدم صدق في نهج البلاغة- نازلة منزلة الأساس للبناء، فكما أن البناء الحاذق، لا يرمي الأساس إلا بقدر ما يقدر من البناء عليه، كذا البليغ يصنع بمبدإ كلامه، فمتى رأيته قد اختصر المبدأ، فقد آذنك باختصار ما يورد» «3» .

وكان السكاكي قد ارجع جميع ما انفتحت به قريحته إلى موضع الحذف لحرف النداء وياء المتكلم، وهو خلاف ما أبانه حديثه من سمات بلاغية وخصائص فنية اشتمل عليها النص القرآني وأضاف إليه القزويني تحقيقا في اختيار كلمة «العظم» وكلمة «الشيب» وأبان موقعهما البلاغي، وأحال على الزمخشري بيان محاسن الاختيار فقال:

(1) مريم: 4.

(2) ظ: الإيضاح: 294 وما بعدها.

(3) المصدر نفسه: 296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت