فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 221

حدب الأدب الجاهلي على إعطاء نماذج حية في هذا المضمار، تجده متناثرا في المعلقات السبع شعرا، وفي الخطابة والسجاعة نثرا؛ وكتب الحماسة والأدب قبل الإسلام، ومنتخبات الإعلام كالضبي والأصمعي وابن الشجري، وأمالي المصنفين كالمرتضى والقالي، غنية بأصول هذا الفن وإرهاصاته التأريخية، نجد فيها إشاعة الحياة في الجماد، وإضافة الحس إلى الكائنات، فتجاوزت بذلك حدود الحقيقة العرفية إلى مناخ أوسع شمولا، وأبلغ تعبيرا، وأدق إرادة.

يقول المرحوم عباس محمود العقاد: «فاللغة العربية لغة المجاز، لا لأنها تستعمل المجاز، فكثير من اللغات تستعمل المجاز كما تستعمله اللغة العربية، ولكن اللغة العربية تسمى لغة المجاز لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى المعاني المجردة، فيستمع العربي إلى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها إلى المقصود من معناه، فالقمر عنده بهاء، والزهرة نضارة، والغصن اعتدال ورشاقة، والطود وقار وسكينة» «1» .

وكان التحرر من الضيق اللفظي، والانطلاق في مجالات الخيال، والتأثر بالوجدان، والحنين إلى العاطفة، والاتساع في اللغة أساس هذا الاستعمال.

يقول ابن قيم الجوزية (ت: 751 هـ) .

«فإن المعنى الذي استعملت العرب المجاز من أجله ميلهم إلى الاتساع في الكلام وكثرة معاني الألفاظ ليكثر الالتذاذ بها، فإن كل معنى للنفس به لذة، ولها إلى فهمه ارتياح وصبوة، وكلما دق المعنى رق مشروبه عندها، وراق في الكلام انخراطه، ولذّ للقلب ارتشافه، وعظم اغتباطه، ولهذا كان المجاز عندهم منهلا مورودا عذب الارتشاف، وسبيلا مسلوكا لهم على سلوكه انعكاف، ولذلك كثر في كلامهم حتى صار أكثر استعمالا من الحقائق، وخالط بشاشة قلوبهم حتى أتوا منه بكل معنى رائق ولفظ

(1) العقاد، اللغة الشاعرة: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت